بدد الرئيس الروسي بوريس يلتسين شكوكا حامت حول مصيره الرئاسي, وتشبث بمقعده في الكرملين, وسط اجواء فوضى مالية تجتاح روسيا, واضطرابات عمت أسواق المال العالمية, وجاءت نتائج التعامل في مختلف البورصات العالمية أمس اشبه بقوائم ضحايا الحروب . وقال يلتسين الذي عاد للكرملين أمس في أول حديث متلفز منذ بدء الأزمة انه لن يستقيل وسيكمل فترته الرئاسية حتى العام 2000. وأعلن عمدة موسكو يوري لوجكوف عقب لقائه مع يلتسين ان لجنة ثلاثية تضمه وفيكتور تشيرنوميردين رئيس الوزراء بالنيابة ورئيس المجلس الفيدرالي بيجور ستروييف, ستتولى العمل لاجتياز الأزمة. وأقال يلتسين أناتولي تشوبايس الاصلاحي من مهامه كمفاوض مع صندوق النقد, واعلن قبول استقالة نائب رئيس الوزراء بوريس نيمتسوف. من جانبه اصدر تشيرنوميردين بعد تلقيه دعماً من الكرملين نداء للقوى السياسية الروسية بالتضامن لمواجهة الازمة وتبني مشروع عمل يعيد العمل بالتخطيط المركزي, ويقلص مساحة الاصلاح الاقتصادي وقرر طبع مزيد من الاوراق النقدية لتسديد الرواتب والمعاشات وتسوية ديون الشركات. واتخذت سلطات الامن الروسية اجراءات حازمة لمنع تهريب رؤوس الاموال من البنوك المهددة بالافلاس فيما تدرس مدينة موسكو خطة لالزام المتاجر ربط الاسعار بالدولار فيما أوقف البنك المركزي التعامل بالنقد الاجنبي لأجل غير مسمى. من جهة اخرى التقى يلتسين ستروب تالبوت نائب وزيرة الخارجية الامريكية لبحث جدول أعمال القمة الروسية الامريكية المرتقبة فيما أكدت واشنطن ان الرئيس الامريكي بيل كلينتون بحث مع مستشاريه الازمة الروسية مشدداً على تمسكه بزيارته لموسكو الاسبوع الحالي, ودعا روسيا لاتخاذ اجراءات صعبة. وحذر قادة الاتحاد الأوروبي روسيا بأنها لن تحصل على قروض اضافية من البنك وصندوق النقد الدوليين ما لم تواصل سياسة الاصلاح. وقال الرئيس الروسي لشبكة التلفزيون العامة آر.تي.آر (اريد ان اقول لكم انني لن ارحل الى اي مكان ولن استقيل) مضيفاً (سأقوم بعملي على النحو المقرر حتى نهاية ولايتي الدستورية, وفي عام الفين سيتم انتخاب رئيس جديد ولن اشارك في هذا الانتخاب) . وأضاف يلتسين بان الاولوية بالنسبة لروسيا هي تنفيذ البرنامج الذي تعده الحكومة والبرلمان حاليا وتشكيل الحكومة. وقال يلتسين (يجب التركيز قبل كل شيء على تنفيذ البرنامج الذي وضع بالفعل وحل قضايا الناس) فى اشارة الى تشكيل حكومة جديدة ونص البرنامج الاقتصادي والسياسي الذي يناقشه مجلس الدوما حاليا. وينص هذا البرنامج خصوصا على اصدار نقدي وتأميمات ودعم الانتاج المحلى والاحتكارات. كما وعد يلتسين فى حديثه المبهم الذي لم تذع سوى مقتطفات منه بانه (بوصفه رئيسا سيفعل كل ما يلزم لعدم المساس بالادخار) . ويمس هبوط سعر الروبل حاليا المدخرين بشكل مباشر حيث لم يعد حتى بامكانهم سحب نقودهم من البنوك. وقال يلتسين ايضا (لا استطيع ان اقول ان الاسعار لن تزيد لكن بوصفي رئيسا يجب ان اعمل على تقليل الابعاد) . واضاف (انني متفائل) وذلك فى الوقت الذي بلغت فيه الازمة مستوى لم يسبق ان شهدت له البلاد مثيلا. ونسبت وكالة ايتار تاس الروسية للأنباء الى تشيرنوميردين قوله بعد اجتماع مع يلتسين ومنافسيه المحتملين بيجور ستروييف رئيس مجلس الاتحاد الروسي (المجلس الاعلى للبرلمان) ويوري لوجكوف رئيس بلدية موسكو انه يعتقد ان برنامجه الطارىء لمواجهة الأزمة الروسية يحظى بتأييد كامل وانه ليس لديه من الوقت ما يضيعه في المساومات السياسية. ونقلت الوكالة عن تشيرنوميردين قوله ان ستروييف ولوجكوف اتفقا على تنحية اي مطامح شخصية جانبا والعمل معه من أجل تخطي الأزمة الروسية. وحذر تشيرنوميردين من أنه لا يمكن السماح بالمزايدات حول مسودة العمل التي ترمي إلى انتشال البلاد من أزمتها الاقتصادية وذلك في انتقاد واضح للخط السياسي للدوما الذي يسيطر عليه الشيوعيون. وكانت لجنة ثلاثية مؤلفة من أعضاء في مجلس النواب (الدوما) والمجلس الفيدرالي والحكومة المعينة قد قدمت مقترحات تتضمن خطوات لتحقيق استقرار الاقتصاد ووقف تدهور قيمة الروبل. غير أن الكرملين رفض صفقة وضعتها اللجنة يقوم الرئيس يلتسين بموجبها بنقل بعض سلطاته إلى البرلمان. وتتضمن مقترحات اللجنة وضع اجراءات لتحقيق استقرار الاقتصاد من بينها طبع مزيد من الاوراق النقدية حتى يمكن دفع الاجور ومعاشات التقاعد المتأخرة وحتى تتمكن الشركات والمصالح التجارية من تسوية ديونها الكبيرة. كما يتم بالاضافة الى ذلك دراسة تأميم بعض الصناعات الرئيسية. من جانبه أكد وزير الداخلية الروسي انه اعطى (تعليمات صارمة لمنع هجرة رؤوس الاموال الى الخارج) . وافاد الوزير الروسي انه امر الاجهزة الامنية بالتعاون مع البنك المركزي ووزارة المالية بمراقبة نشاطات المصارف ومكاتب الصيرفة. واوضح ان الامر (الاكثر اهمية هو منع غالبية السكان من الوقوع في ايدي المضاربين) مضيفا (اننا نعيش في نظام اقتصاد السوق لكن الحكومة والاجهزة الامنية موجودة لتسوية الوضع الذي هو تحت السيطرة) . وتدرس مدينة موسكو خطة تقضي بأن تعلن المتاجر الاسعار بالدولار الامريكي ايضاً ولكن مع قبول الروبل فقط. وعلى سبيل المثال سيتعين على المتجر تعليق سعر يفيد ان ثمن جهاز تليفون يبلغ بالروبل ما يعادل 50 دولارا. وقالت فالنتينا فارفولمييفا نائبة رئيسة ادارة شؤون المستهلكين في حكومة موسكو (سوف تستخدم مثل هذه الآلية اثناء فترة انتقالية قبل استقرار الروبل. وستوفر هي الاستقرار) . وقد دب الاضطراب في متاجر التجزئة في انحاء روسيا عقب خفض قيمة الروبل في الاسبوع الماضي وتعليق التعامل في بورصة العملات الرئيسية في البلاد. واغلقت بعض المتاجر ابوابها حتى يهدأ الوضع. وقالت فارفولمييفا (هذا مجرد اقتراح يجرى بحثه. لم يتخذ قرار نهائي.) وأصدر البنك المركزي في روسيا قرارا بوقف المزادات العلنية في أسواق النقد الأجنبي في الأقاليم اعتباراً من امس ولأجل غير مسمى وذلك لاختلال التناسب بين العرض والطلب. ويذكر ان جميع المشاركين في المزادات متوقفة في بورصة موسكو لأجل غير مسمى ايضاً حيث زاد الطلب على العرض 290 مليون دولار في بداية مزاد الأمس. وامتنع عدد كبير من منافذ الصرافة في روسيا امس عن بيع العملات الاجنبية بزعم عدم توفرها لديها, وادى هذا الى تنشيط السوق السوداء حيث يجري شراء الدولار من الجمهور بواقع 10 الى 12 روبلا وبيعه للجمهور نظير 20 روبلاً. ومن ناحية اخرى صرح مسؤول في ادارة مكافحة الجرائم الاقتصادية بوزارة الداخلية الروسية امس بأن حجم رؤوس الاموال التي تخرج من روسيا سنوياً يعادل حجم قروض الاستقرار التي حصلت عليها روسيا من صندوق النقد الدولي وقال ان الداخلية تحقق الآن في أكثر من 22 ألف عقد للتحقق من صحة وضعها وتنفيذها خلال السنوات القليلة الماضية. وافاد مسؤول في احد محلات المجوهرات الرئيسية في روسيا (تسنتر يوفيلير) ان مبيعات المجوهرات ارتفعت بنسبة 250% في روسيا خلال الايام الاخيرة في الوقت الذي تشهد فيه البلاد ازمة مالية لا سابق لها. واوضح المسؤول الذي طلب عدم الكشف عن هويته لوكالة (انباء انترفاكس) ان اسعار الحلي في محلات المجوهرات الكبيرة ارتفعت بنسبة 40% امس في الوقت الذي يشهد فيه سعر الروبل انهياراً منذ اسبوعين تقريباً. وسبق لروسيا ان شهدت اقبالاً شديداً على شراء الذهب بين عامي 1992 و1994 عندما كانت البلاد تعاني من تضخم جامح وكانت الاسعار ترتفع بنسبة تتراوح بين 300 و2500% سنوياً. من جهة اخرى قال المتحدث باسم البيت الابيض باري تويف للصحفيين في جزيرة مارثاس فينيارد بولاية ماساتشوستس حيث يقضي كلينتون عطلته (أكد الرئيس التزامه بالذهاب) الى موسكو لعقد قمة مقررة مع يلتسين. واضاف (لقد راجعوا ا لاستعدادات لرحلة الاسبوع المقبل وأكد الرئيس التزامه بها) . ومن المقرر ان يلتقي كلينتون ويلتسين في موسكو يومي الثلاثاء والاربعاء المقبلين الا ان هناك تكهنات متزايدة بأن الازمة المالية والسياسية الروسية قد تضطر الزعيمين الى ارجاء او الغاء القمة. وشددت اوساط كلينتون على ان هذه القمة لا تزال على جدول اعمال الرئيس الامريكي اكثر من أي وقت مضى, واوضح ساندي بيرجر مستشار الرئيس الامريكي لشؤون الامن القومي (بالتأكيد يأتي موعد هذه القمة في فترة تعاني فيها الحكومة الروسية من هموم كثيرة بسبب تشكيل حكومة جديدة والازمة الاقتصادية) . لكن بيرجر شدد على أهمية هذه القمة مشيرا الى ان امام الرئيسين ملفات عاجلة عليهما الاهتمام بها الى جانب الازمة الاقتصادية مع روسيا. وذكر مستشار الرئيس كلينتون خصوصا بمسألة حفظ السلام في البوسنة والمشاكل التي تواجهها لجنة الامم المتحدة الخاصة المكلفة نزع أسلحة الدمار الشامل العراقية (يونيسكوم) وبيع روسيا اسلحة الى ايران. وفي كلمة القاها في ولاية ماساتشوستش الامريكية طلب كلينتون من روسيا اتخاذ الاجراءات الصعبة اللازمة للنهوض باقتصادها. ونقلت وكالة انترفاكس عن الجهاز الصحافي الرئاسي الروسي ان يلتسين سيوقع مع كلينتون على اعلان مشترك حول الامن الشامل اثناء قمة موسكو بين الاول والثالث من الشهر المقبل. وسيحدد الاعلان المناطق الامنية المشتركة (ذات الطابع الاستراتيجي) للبلدين في القرن المقبل والتي تعلق موسكو أهمية خاصة عليها حسب الكرملين. وقالت انترفاكس ان و زير الخارجية في الحكومة المستقيلة يفجيني بريماكوف ابلغ يلتسين امس بأن الاعلان بات جاهزا للتوقيع خلال القمة. من جانبه اجرى المستشار الالماني هيلموت كول محادثات متناسقة مع نظرائه قادة دول الاتحاد الاوروبي ومع كلينتون والرئيس الفرنسي وجاك شراك والرئيس الروسي يلتسين وتشيرنوميردين. وحذر وزير المالية الالماني كيوفاجيل روسيا بأنها لن تحصل على 22 مليار دولار قروضا من صندوق النقد اذا لم تواصل سياسة الاصلاح. وقال ان المانيا وبريطانيا وفرنسا وايطاليا أرسلت التحذير في رسالة مشتركة الى تشيرنوميردين امس.