شنت الولايات المتحدة تساندها المعارضة السودانية هجوما اعلاميا مضادا امس لاحتواء حملة الخرطوم الاعلامية الرامية لتفنيد المزاعم الامريكية بأن مصنع الشفاء السوداني الذي دمرته غارة أمريكية الخميس الماضي لا ينتج أسلحة كيماوية . وأدلى متحدثون امريكيون ومسؤولون في الحكومة والمخابرات الامريكية بسلسلة تصريحات قالوا فيها ان عينات من التربة قرب المصنع أكدت انتاجه اسلحة كيماوية, كما اكدوا ان علماء عراقيين ساعدوا في جهود انتاج غاز الاعصاب. وقال المسؤولون انهم استعانوا بطيور مهاجرة في جمع المعلومات. وأيد بيان للأمين العام للمعارضة السودانية مبارك المهدي الاتهامات الامريكية التي شككت فيها الخرطوم على الفور. ونقلت صحيفة (نيويورك تايمز) امس عن مسؤولين حكوميين وفي أجهزة الاستخبارات الامريكية تأكيدهم العثور على اثار عنصر كيميائي قرب مصنع الأدوية في الخرطوم بحري الذي دمره قصف امريكي في الاسبوع الماضي. واضافت الصحيفة التي تستخدمها الادارة الامريكية عادة لتسريب الاخبار ان اثار هذا العنصر وجدت في عينات أخذت من التربة قرب المصنع قبل اشهر, وانه يمكن لهذه المادة الكيميائية ان تستخدم في تصنيع غاز الاعصاب (في اكس) . وأكد المسؤولون الحكوميون انه لا يمكن الحصول على هذه المادة الكيميائية سوى في حالة انتاج الغاز المذكور. لكن مسؤولا كبيرا في الاستخبارات الامريكية اوضح ان هذا الدليل لم يكن حاسما باعتبار ان هذه المادة يمكن ان تكون قد خزنت فقط في هذا المكان. واضاف ان العينة احتوت على مادة كيماوية نادرة تحتاج الى خطوتين أخريين معقدتين نسبيا لتتحول الى في. اكس. وتدعى المادة الكيميائية (اثيل ميثيلفوسفونوثيونات) او (امبتا) وهي سائلة لا لون لها ولا رائحة ويمكنها ان تقتل في دقائق قليلة بعد ملامسة الجلد او اذا تم استنشاقها. وقالت الصحيفة ان العراق يملك خبرة في انتاج هذه المادة. واضافت المصادر وجود ادلة على ان علماء عراقيين كبارا ساعدوا السودانيين على انتاج هذه المادة في مصنع (الشفاء) وفي مصنع اخر يبعد عنه بضعة كيلومترات. ونسبت الصحيفة الى مسؤول كبير في الاستخبارات الامريكية قوله ان مسؤول برنامج الاسلحة الكيميائية العراقي عماد العاني يقيم علاقات وثيقة مع كبار مسؤولي المصنع السوداني. وكانت وكالة (اشوسيتدبرس) ان المخابرات الامريكية تجسست على اتصالات هاتفية اجراها علماء سودانيون من المصنع وآخرون في الطرق واعطت الانطباع بوجود تعاون بين السودان والعراق. وقالت الوكالة ايضا ان سي اي ايه ارسلت طيوراً لتحلق فوق الخرطوم على أمل جمع أدلة ضد المصنع. وافادت التقارير ان المسؤولين الامريكيين الذين لم يكشف عن هويتهم قالوا ان الولايات المتحدة تراقب مصنع الشفاء منذ اكثر من عام وتم جمع الادلة التي كشفت عن وجود علاقة بين كبار المدراء التنفيذيين في المصنع والجماعات الارهابية وفنيي صناعة الاسلحة الكيماوية العراقيين. وفضلا عن التقارير المتسربة, نشط المتحدثون الامريكيون في الادلاء بالتصريحات التي تؤكد مزاعمهم ضد الشفاء. وفي هذا السياق عقد مايك مكوري المتحدث باسم البيت الابيض مؤتمرا صحفيا اكد فيه مجددا (ان ثقة الولايات المتحدة بأن المصنع كان ينتج مواد للأسلحة الكيماوية عالية للغاية) . وقال مكوري ان المسؤولين الامريكيين يشعرون بثقة متزايدة في ان الهجوم الحق اضرارا بالغة بالهدف وهو مصنع يشتبه انه ينتج اسلحة كيماوية وان الحكومة تعتقد انها تصرفت في حدود حقوقها. وقال مكوري للصحفيين (عملنا يتسق تماما مع القانون الدولي والقانون الامريكي ولكن اذا تلقينا اي اخطار باجراء تحقيق رسمي فاننا سنبحث الامر بالتأكيد) . وقال مكوري ان مستشار الامن القومي ساندي برجر اطلع كلينتون امس الاول على عواقب الهجمات وامور اخرى. واضاف (مع كل يوم يمر تزيد ثقتنا في التقييم الاولي الذي اطلعناكم عليه عن تقدير الضرار) . وتابع (الهدف الذي كانوا يقصدونه تم ضربه. والاضرار التي ألحقت به كبيرة وبرجر اشار امس الاول الى ان ثقتنا كبيرة في ان هذه المنشأة كانت تصنع مكونات اسلحة كيماوية) . وقال مكوري عندما ألح عليه الصحفيون لتوضيح أسانيد هذه الثقة ان التفاصيل المتعلقة بالهجوم مازالت تعد سرية في الوقت الراهن ولكنه سيرفع هذا السؤال الى برجر. وقال جيمس فولي المتحدث باسم وزارة الخارجية ان المصنع ربما كان يستخدم لاغراض مزدوجة اي انه كان ينتج أدوية غير ضارة وفي نفس الوقت ينتج مواد تستخدم في صنع الاسلحة الكيماوية. وفي تقرير لها حول المصنع رأت وكالة (الاسوشيتدبرس) ان امريكا طورت مزاعمها بسلاسة ضد المصنع, مشيرة الى انها اصرت في البداية على ان المصنع ينتج مواد كيماوية فقط, ثم عادت لتقول مع تواتر الادلة على ان المنصع ينتج ادوية لتقول ان استخداماته مزدوجة. وفي موازاه للحملة الامريكية, اكد الامين العام لتجمع المعارضة السودانية مبارك الفاضل المهدي ان الشفاء ينتج مكونات اسلحة كيماوية الى جانب تصنيع الدواء بمعدات هندية ووصفها بالمتواضعة لتغطية نشاطه. وقال المهدي في بيان تلقت (البيان) نسخة منه بالفاكس ان الشفاء مملوك للجبهة الاسلامية القومية ويعمل ضمن برنامج يشمل وحدات اخرى في منطقة كافوري بالخرطوم بحري وفي منطقة الجديد الثورة والمسعودية بولاية الجزيرة على طريق الخرطوم مدني وان قيادة الجبهة الاسلامية واجهزتها الرسمية تتولى الاشراف وتوجيه هذا البرنامج ضمن شراكة مع العراق وبعض الجهات الاصولية المتطرفة على رأسها اسامة بن لادن حسب قوله. وقال المهدي ان علماء وفنيين عراقيين على رأسهم الدكتور خليل ابراهيم وآسيويين وبعض الخبراء من اوروبا الشرقية يقودون العمل في المصنع. واشار بيان المهدي الى ان صلاح احمد ادريس الذي يملك الشفاء تتحدث تقارير عن مشاركته في مشاريع هيئة التصنيع الحربي في السودان وعن انه يملك اسهما في مصنع الالكترونيات الدقيقة التابع للهيئة. واتهم بيان المهدي شركة النقل الجوي التي يملكها ادريس بأنها نقلت شحنات اسلحة من ايران بطرق غير مشروعة عام 1997 في الخرطوم, رد المسؤولون السودانيون بسرعة على الحملة الامريكية, حيث وصف مسؤولون سودانيون بالكذب تقارير وسائل الاعلام الامريكية التي اشارت الى ان عينة التربة التي اخذت من مصنع الشفاء اظهرت اثارا لمكونات اسلحة كيماوية. وتساءل محمد الحسن الامين, الامين السياسي لحزب المؤتمر القومي وهو الحزب السياسي الوحيد المعترف به في البلاد قائلا كيف يمكن تصديق انهم اخذوا هذه العينة من السودان, وقال انه يمكن ان يكونوا أخذوها من اي مكان في العالم ويقولون انها اخذت من مصنع الشفاء. وقال علم الدين الشبلي مدير التصدير بالمصنع السوداني انه ليس هناك سبيل لاخذ عينة من التربة من هذا المصنع بسبب هيكل بنائه. وقال بشير العجيب مسؤول العلاقات العامة بالمصنع لرويترز ان العاملين توجهوا الى الموقع بعد الهجوم مباشرة واضاف انه لو كان هناك اسلحة كيماوية لكان هو اول من مات متأثرا بها. إلى ذلك تراجعت الحكومة السودانية عن تأكيداتها السابقة في انها تملك معلومات وادلة تؤكد من اين انطلقت الطائرات الحربية التي قصفت مصنع الشفاء, وقال الدكتور مصطفى عثمان اسماعيل وزير الخارجية السوداني ردا على سؤال (البيان) في المؤتمر الصحافي الذي عقده امس ان بلاده لا تملك اية معلومات مؤكدة حتى الآن من اين انطلقت الطائرات وأي الاجواء عبرت وفي اي القواعد كانت ترسو. واوضح انهم قالوا فقط ان الطائرات آتت من الشمال ولكنه لم يتهم دولة بعينها مشيرا إلى ان الموقف الرسمي هو ان السودان لا يملك الان معلومات مؤكدة في هذا الخصوص. وقال اسماعيل ان السودان لديه خيارات عديدة للرد على الولايات المتحدة اذا فشل مجلس الامن في اخذ حق السودان وشعبه من الولايات المتحدة, ولم يفصح الوزير عن خيارات السودان لكنه اكتفى بالقول ان الخرطوم تعمل بخطة متكاملة وستصل للهدف الذي تبتغيه قريبا جداً. ــ الوكالات كتبت - رندة العزير