ضاق الخناق اكثر فأكثر على الولايات المتحدة امس حول غارتها المدمرة على مصنع الشفاء السوداني للادوية, اذ طالبت بريطانيا والصين بأدلة على ان المصنع ينتج كيماويات كما تزعم واشنطن التي اعلنت أنها ستبحث التعاون مع الأمم المتحدة في التحقيق بشأن الهجوم بعد معارضتها طلبا سودانيا بارسال بعثة تقصي حقائق إلى الخرطوم للتأكد من مزاعمها واعتبرت الامر بلا فائدة . وجاءت هذه التطورات غداة اجتماع لمجلس الامن خصص لبحث العدوان الامريكي على السودان الذي حصل امس على دفعتين مهمتين مع مساندة مجلس جامعة الدول العربية لشكواه, وقرار باكستان تقديم شكوى مماثلة لمجلس الامن لانتهاك الصواريخ الامريكية مجالها الجوي. وصرح مايك مكوري المتحدث باسم البيت الابيض امس ان بلاده ستبحث التعاون في التحقيق الدولي إذا ما تلقت اشعارا بذلك, مكررا في الوقت نفسه الزعم الامريكي بأن الضربة تتماشى مع القانون الدولي والامريكي. وفيما استبعد دبلوماسيون قيام مجلس الامن الذي لم يتخذ أي اجراء في جلسته أمس بتحرك فوري ضد امريكا, فان الخرطوم شددت مواقفها طالبة اعتذاراً رسميا من الرئيس الأمريكي بيل كلينتون شخصيا, كما أعلنت عن خطط لمقاضاة امريكا امام محكمة العدل الدولية, وقامت بسحب سفيرها امس من لندن احتجاجا على تأييد بريطانيا للهجوم الامريكي عليها. وكانت واشنطن قد أعلنت قبيل اجتماع مقرر لمجلس الامن بشأن عدوانها على السودان انها تعارض طلب السودان ارسال لجنة لتقصي الحقائق للتأكد من المزاعم الامريكية حول (الشفاء) . وصرح القائم باعمال البعثة الامريكية لدى الامم المتحدة بيتر بورليه قبل اجتماع يعقده مجلس الأمن لمناقشة ذلك: لا نرى فائدة (من ارسال لجنة لتقصي الحقائق). لكنه لم يخض في تفاصيل. من جهتها طالبت الصين الولايات المتحدة بعرض ادلتها بشأن مصنع الشفاء. وقال نائب المندوب الصيني شين جوفانج (نريد من الولايات المتحدة تقديم ادلة قوية تثبت ان الشفاء ينتج مواد كيماوية. وعلى غرار الصين طالب رئيس لجنة الشؤون الخارجية, البالغة النفوذ, في مجلس العموم البريطاني الولايات المتحدة بالكشف عما بحوزتها من ادلة تثبت ان (الشفاء) ينتج اسلحة كيميائية. واوضح دونالد اندرسون النائب من الغالبية العمالية ان لدى الحكومة البريطانية ادلة حول القواعد الارهابية لأسامة بن لادن التي استهدفت في افغانستان. اما الضربات الامريكية التي دمرت مصنعا للادوية في الخرطوم (مسألة اخرى) . وقال ان (الولايات المتحدة لم تسلم حلفاءها هذه الادلة) . واضاف اندرسون (يتعين على الولايات المتحدة ابلاغنا بالادلة التي بحوزتها عندما نقدم على المغامرة كما فعلنا) . وجاء هذا الموقف في وقت أدانت فيه الدول العربية الــ 22 بالاجماع أمس العدوان الأمريكي على المصنع باعتباره عدوانا على السودان وانتهاكا خطيرا لسيادته وخرقا صارخا لكل الأعراف والقوانين الدولية وفي مقدمتها ميثاق الأمم المتحدة. وجاءت هذه الادانة بعد اجتماع طارىء لمجلس الجامعة العربية في القاهرة أمس بناء على طلب السودان. ودعا مجلس الجامعة المجتمع الدولي الى الاستجابة لطلب الخرطوم ارسال بعثة لتقصي الحقائق حول طبيعة انتاج مصنع الشفاء والتأكد من عدم انتاجه للاسلحة الكيميائية, خلافا لما اكدته واشنطن. كما دعا البيان مجلس الامن الدولي الى (الوقوف في مواجهة استخدام القوة العسكرية لحل المشكلات بين الدول) و(الاضطلاع بمسؤولياته في حفظ الامن والسلم الدوليين واحترام سيادة الدول وحرمة اراضيها (..) وعدم التدخل في شؤونها الداخلية) . اما الولايات المتحدة فطالبها (باحترام الشرعية الدولية والكف عن الاعمال التي تشكل تعديا على سيادة الدول وتتسبب في تأجيج مشاعر الغضب الشعبي, وتشجيع اعمال العنف والعنف المضاد بما يهدد الامن والسلم الدوليين) . ويعكس موقف المجلس الذي ترأسه السودان واستمرت اعماله اكثر من ثلاث ساعات لهجة حادة في ادانة الولايات المتحدة هي اقرب الى مواقف سوريا والعراق وليبيا التي بادرت بشجب (العدوان الامريكي) على السودان, في حين تراوحت المواقف العربية الباقية بين الاسف واستنكار التحرك الامريكي المنفرد. وقال المندوب السوداني لدى الجامعة أحمد عبد الحليم ان المجلس قرر كذلك (دعم جهود السودان في المحافل الدولية) حيث يسعى السودان الى الحصول على ادانة لواشنطن. وقد ابلغت الامانة العامة فور انتهاء الاجتماع المجموعة العربية بالامم المتحدة في نيويورك بنص القرار تمهيدا لاستخدامه وطرحه على اجتماع مجلس الامن. وفي مؤتمر صحافي عقده عقب الاجتماع قال الامين العام للجامعة العربية عصمت عبد المجيد ردا على سؤال لــ (البيان) حول ما اذا كانت المجموعة العربية تنوي اتخاذ اجراءات حال استخدام واشنطن حق الفيتو لاحباط اي مشروع قرار يدينها في مجلس الامن, قال (ان كل الخيارات امامنا مفتوحة) . واعتبر عبد المجيد ان وزير الدفاع الامريكي لم ينجح في كسر الارادة العربية واكد ان على المعتدي ان يتحمل النتائج المترتبة على اعتدائه. وأمس, انضمت باكستان الى السودان في الذهاب الى مجلس الأمن, اذ قالت ان الولايات المتحدة انتهكت فعلا مجالها الجوي باطلاق صواريخ عابرة على قواعد ارهابية مفترضة في افغانستان وانها سترفع القضية الى مجلس الامن الدولي. واكد ناطق باسم وزارة الخارجية الباكستانية انه عثر على احد الصواريخ التي اطلقتها القوات الامريكية في 20 اغسطس في اقليم بلوشستان الواقعة على الحدود مع أفغانستان. وقال ان الصاروخ الذي لم ينفجر سقط في منطقة غير اهلة بالسكان بالقرب من شاتينجار. واعطت باكستان تعليمات لمندوبها في الامم المتحدة برفع دعوى امام مجلس الامن الدولي لانتهاك مجالها الدولي. واعلن مسؤولون محليون ان الصاروخ (يحمل كتابة امريكية) وقد عثر عليه السبت بعد يومين من القصف بالصواريخ العابرة الذي قامت به الولايات المتحدة ضد معسكرات ارهابية مفترضة في افغانستان. وكان ناطق باسم الخارجية الباكستانية قد اعلن في 21 من الشهر الجاري ان صاروخا امريكيا كان موجها الى قاعدة ارهابية مزعومة في افغانستان سقط في باكستان الا انه تم نفي مقتل العديد من الاشخاص آنفا كما جاءت به الانباء في اول الامر. ومع ظهور علامات على ان الخرطوم تحرز نقاطاً في حملتها الاعلامية والدبلوماسية ضد واشنطن, كشف الرئيس السوداني عمر البشير في مؤتمر صحافي عن اتصالات اجرتها امريكا مع السودان بعد العدوان, عبر طرف ثالث لم يسمه. وقال البشير ان امريكا اقترحت في هذه الاتصالات قيام تعاون امني سوداني امريكي, كما رحبت بعودة السفير السوداني الى واشنطن. غير ان الرئيس السوداني الذي اعلن في السابق عن استدعاء البعثة السودانية من واشنطن شدد موقفه اذ قال ان دبلوماسيي السفارة الامريكية بالخرطوم والذين يعملون في كينيا ومصر منذ العام ,1996 سوف لن يسمح لهم بالعودة الى ممارسة عملهم في الخرطوم. وقال البشير ان بلاده تريد اعتذارا رسميا امريكيا يقدمه كلينتون شخصيا وتعويضات مجزية لاصحاب المصنع المدمر وعامليه وللجرحى. واعلن البشير من ناحية اخرى ان بلاده طلبت من بريطانيا تقليص تمثيلها الدبلوماسي إلى درجة قائم بالاعمال كما اشار الى انه استدعى السفير البريطاني من لندن. وأعلنت الخارجية البريطانية أمس أن السودان سحب بالفعل سفيره في لندن وطلب سحب السفير البريطاني لديه وانها تبحث في تلبيه الطلب. إلى ذلك ذكرت وكالة الانباء السودانية ان السودان ينوي رفع خلافه مع الولايات المتحدة حول طبيعة المواد التي ينتجها مصنع الشفاء للادوية في الخرطوم الى محكمة العدل الدولية في لاهاي. وأضافت الوكالة ان وزير العدل السوداني علي محمد عثمان وجه رسالة الى وزيرة الخارجية الامريكية مادلين أولبرايت يطلب فيها موافقة الادارة الامريكية للجوء الى محكمة العدل الدولية. وكتب الوزير السوداني في رسالته الى أولبرايت ان (السودان يحترم القانون ويرغب في السلام, لذلك فانه يطلب من الادارة الامريكية ان توافق على اقتراحه رفع الخلاف (حول مصنع الشفاء) امام محكمة العدل الدولية) . ونقلت الوكالة عن عثمان قوله انه ينبغي على محكمة العدل الدولية ان تبت ايضا في ما اذا كان الهجوم الامريكي ضد المصنع يشكل (لجوءا الى القوة ضد سلامة الاراضي السودانية او انه يتطابق مع اهداف الامم المتحدة) . وتمثل محكمة العدل الدولية الهيئة القضائية الرئيسية للامم المتحدة. من جهة اخرى ذكرت صحيفة (وول ستريت) ان هيئة محلفين كبرى في الولايات المتحدة أصدرت قرار اتهام رسمي بحق أسامة بن لادن مما يعطي الحكومة السلطة القانونية لاعتقاله. ولم يذكر التقرير تاريخ صدور قرار الاتهام ولكنه أوضح أن الاتهامات تتعلق بتفجير مركز التجارة العالمي بنيويورك عام 1993 وليس بالتفجيرين في كينيا وتنزانيا في السابع من أغسطس الحالي. ــ الوكالات