اعلنت واشنطن رفضها للدعوة الموجهة لمجلس الأمن الدولي لاتخاذ اجراء بشأن مهاجمة السودان الذي لم يستبعد امكانية تعرضه لعدوان امريكي جديد, واعلن تقليص تمثيله الدبلوماسي مع بريطانيا احتجاجا على دعم الاخيرة للعدوان الامريكي. وبدا امس ان الخرطوم تحرز نقاطا في حملتها الاعلامية لفضح المزاعم الامريكية حول مصنع الدواء المدمر حيث وقال الرئيس السوداني عمر البشير ان بلاده ستثبت كذب الرئيس بيل كلينتون الأمريكي مرة أخرى لتبرير القصف الذي تعرض له المصنع. وطالب السودان امس باعتذار امريكي ودفع تعويضات عن تدمير المصنع الذي جددت واشنطن بأنها تملك ادلة على انتاجه لمواد تدخل في صناعة الاسلحة الكيماوية. وصرح بيل ريتشاردسون المندوب الامريكي لدى الأمم المتحدة الليلة قبل الماضية بأن بلاده ترفض الدعوة الموجهة لمجلس الأمن لاتخاذ اجراء بشأن مهاجمتها السودان وافغانستان, وكرر الاتهامات الأمريكية بأن مصنع الأدوية في السودان انتج غاز الأعصاب. وتهيأت واشنطن لارسال مبعوث خاص إلى المنطقة لمحاولة تبرير ضرب السودان وامتصاص الغضب العربي. ومن المنتظر ان يجتمع اعضاء مجلس الامن الـ 15 اليوم الاثنين في جلسة مغلقة للبحث في الشكوى السودانية بعد الضربة الجوية الامريكية لمصنع الشفاء للادوية في الخرطوم ولتقويم الوضع في العراق. وكان السودان تقدم الجمعة, غداة الغارة الصاروخية الامريكية على هذا المصنع, بشكوى الى الامم المتحدة طالبا (اجتماعا عاجلا لمجلس الامن) من اجل تجنب اي (اعتداء) جديد. ويطالب السودان المدعوم من الدول العربية في الامم المتحدة والذي استدعى دبلوماسييه من واشنطن, بارسال بعثة تحقيق لاثبات ان مصنع (الشفاء) شمال الخرطوم يقوم بتصنيع الادوية فحسب. ويقول دبلوماسيون انه من غير المرجح ان يتخذ المجلس قرارا على الفور لان الترجمة الانجليزية للشكوى الرسمية السودانية لن تكون بحوزتهم اليوم الاثنين. ومن المنتظر ان يعقد مجلس الجامعة العربية اجتماعا طارئا في القاهرة اليوم, قال السودان انه يأمل ان يحصل خلاله على مساندة عربية قوية. وكان الرئيس السوداني عمر البشير اعلن ان بلاده لا تسعى إلى ادانة الولايات المتحدة على اساس ان واشنطن التي تحتل مقعدا دائما في مجلس الامن إلى جانب روسيا والصين وفرنسا وبريطانيا, تتمتع بحق النقض (الفيتو) . غير ان البشير قال في مؤتمر صحافي ان المعركة مع امريكا هي معركة اعلامية بالاساس, واعتبر ان بلاده استطاعت ادارتها جيدا وان الموقف بدأ يتحول لصالحها, مشيدا في هذا الخصوص بالاعلام العربي الفعال والمساندة. بيد ان البشير لم يستبعد مع ذلك امكانية حصول اعتداء امريكي ثان على بلاده. ولم يعلن البشير عن أي اجراءات اخرى تنوي حكومته اتخاذها ضد امريكا, مما يرجح ان بلاده اكتفت بقرار سحب بعثتها من واشنطن. غير ان البشير اعلن عن قرار بتقليص التمثيل الدبلوماسي مع بريطانيا إلى درجة القائم بالأعمال ردا على ما اعتبره (موقف بريطانيا المتواطىء مع امريكا) . وشن البشير هجوما شديدا على المعارضة الخارجية التي وصفها بالعميلة, لكنه اشاد في المقابل بالمعارضة الداخلية التي وصفها بالوطنية. وفي ذات السياق, قال وزير الاعلام السوداني غازي صلاح الدين في مؤتمر صحافي ان بلاده لا تنوي قطع علاقاتها مع امريكا, واكد انها ستقبل اعتذارا رسميا من واشنطن مصحوبا بتعويضات لضحايا عدوانها, وكشف عن اقتراحات امريكية تلقتها عبر طرف ثالث لاتخاذ موقف معتدل تجاه السودان نظرا للخطأ الذي ارتكبته, واضاف ان بلاده رفضت أي حوار مع واشنطن خلف الكواليس. وقال صلاح الدين من ناحية اخرى انه في حال فشل مجلس الامن في اصدار قرار بادانة امريكا, فإن بلاده ستعمل على تشكيل لجنة محايدة من المحامين والمختصين لزيارة مصنع الشفاء. وقد تفقد مسؤول بالامم المتحدة المصنع المدمر امس, واعرب عن قلقه من العدوان عليه. وقال فيليب بوريل المنسق المقيم لانشطة الامم المتحدة اثناء تفقده لحطام مصنع الشفاء للادوية (نحن قلقون جدا بسبب هذا الحادث) . وفي اشارة الى الحرب الاهلية بالسودان منذ اكثر من عقد قال بوريل (ما يجب ان نضعه بالاعتبار هو معاناة الشعب السوداني من هذه الحرب المروعة) , واضاف (من القسوة اضافة معاناة للمعاناة) . والتزم بوريل الذي امطره الصحافيون بالاسئلة جانب الحذر, واعرب عن امله في حضور خبراء دوليين على وجه السرعة لكشف الحقيقة. وفي لندن قال وزير الدفاع البريطاني جورج روبرتسون ان الولايات المتحدة تؤكد ان لديها أدلة قاطعة على ان الشفاء استخدم لصنع اسلحة كيماوية. واضاف روبرتسون لاذاعة لندن (تحدثت مع وزير الدفاع الامريكي بنفسي .. والامريكيون متأكدون تماما ان لديهم أدلة قاطعة على ان هذا المصنع شارك في تطوير اسلحة كيماوية وبيولوجية او وسائل لامتلاك تلك الاسلحة) . وأفاد ان بريطانيا ذاتها لديها أدلة على ان اسامة بن لادن يسعى للحصول على اسلحة كيماوية وبيولوجية. وقال روبرتسون (الولايات المتحدة لديها ايضا نفس الادلة التي حصلنا عليها بمفردنا على ان ابن لادن تورط في الفظائع التفجيرية بشرق افريقيا وان لديه خططا لمزيد من مثل هذه الفظائع) . وكان مهندس ومخرج سينمائي بريطانيان عمل احدهما في المصنع لسنوات وزاره الثاني مؤخرا, أكدا ان الشفاء لا يمكنه صنع اسلحة كيماوية. ومع تنامي الضغوط على امريكا, افادت تقارير ان هذه الاخيرة تتجه لارسال مبعوث امريكي خاص وبصورة عاجلة إلى القاهرة وعدد من العواصم العربية, لايصال رسائل هامة تحاول تبرير الضربات الجوية التي شنتها الولايات المتحدة على السودان وافغانستان. وقالت التقارير ان واشنطن تسعى من خلال هذه الخطوة إلى امتصاص موجة الغضب العربي المتصاعد ازاء الضربة التي وجهت للسودان. واكدت التقارير ان واشنطن لمست من خلال متابعات سفاراتها بالدول العربية, وجود ضغوط شعبية على عدد من الحكومات العربية لاتخاذ قرارات عملية ورادعة ضد واشنطن, ردا على الضربة الامريكية للسودان. كما تحاول الرسائل الامريكية نفي وجود اي رابط بين الضربات الجوية وتداعيات الموقف الامريكي الداخلي في اعقاب تفجر فضيحة (مونيكا جيت) . الخرطوم ـ الصافي موسى وأحمد جبريل: القاهرة ـ مكتب البيان