من الواضح أن ظاهرة الاحتباس الحراري العالمي, جديرة حقا بالتصديق, فمناطق مختلفة وكثيرة بالعالم شهدت أكثر فصول الصيف حرارة على الإطلاق, إن هذا يدفع كثيرين إلى تخيل قصص مرعبة حول ما يمكن أن يحدث إذا استمرت الظاهرة في الحدوث . فنصف بنجلاديش ستغمره المياه, وتفيض الأنهار لتغرق ما حولها, بينما تتحول أوروبا إلى أرض غير قابلة لسكن الإنسان, مثلما هي الحال الآن في المناطق الشمالية من كندا. وستختفي آلاف الأجناس النباتية والحيوانية التي لن تقوى على تحمل درجات الحرارة المرتفعة, كذلك, فإن النشاط الزراعي سيصاب بالشلل, فالأمطار لا تسقط بصورة منتظمة, وهو ما يعني تضور الملايين جوعا. ليس هذا كل شيء, فالعواصف والأعاصير الشديدة تصبح أكثر تكرارا, لتصبح الأرض مكانا غير مناسب لبني البشر ليقطنوه, وإذا حدث هذا كله بالفعل, فستكون المشكلة عويصة تماما, ولن يكون الحل يسيرا بالمرة, فالطبيعة الإنسانية والنظم الاجتماعية والاقتصادية للإنسان لم تصمم بأسلوب يساعد على حل هذه المشكلة. ويسهل دائما إنكار وقوع المشكلة وتحولها إلى حقيقة, وأيا كان الطقس في سنة ما أو في مكان معين, فإن الإحساس به ينبني على متغير إحصائي طبيعي, ولابد للتغيرات المناخية أن تكون كبيرة حتى يمكن للمرء أن يدرك بصورة لا تحتمل الشك أن الأحداث تقع خارج نطاق التغير الإحصائي المعتاد, وقد يرى الإنسان أن مرور عقد كامل من المناخ الحار ليس كافيا لأن يثبت بصورة أكيدة أن الاحتباس الحراري قد أضحى حقيقة واقعة, وعندما يصل الإنسان إلى درجة الإقرار بوصول الظاهرة, تكون تلك مرحلة متأخرة جدا, بصورة يصعب معها أي تدخل للحيلولة دون حدوثها, فهي تكون وصلت بالفعل. وحتى عندما يتم الاتفاق على أن العالم أصبح أعلى حرارة, فقد نرجع ذلك إلى مسببات طبيعية, لقد كان العالم أكثر حرارة مما هو الآن في مراحل مختلفة من التاريخ الإنساني, لذا فقد نكون الآن على أبواب مرحلة من تلك المراحل الحارة التي مر العالم بمثلها من قبل, والمسألة إذن أن الاتفاق على ارتفاع درجة الحرارة بالعالم لا يعني اتفاقا على أن الأنشطة الإنسانية هي السبب وراء ذلك. وحتى لو كان هناك اتفاق على أن الأنشطة الإنسانية هي السبب, فقد تكون هناك آليات طبيعية يمكن لها أن تحول دون انتشار الظاهرة على نطاق أوسع, وارتفاع درجة الحرارة على ظهر الأرض سيؤدي إلى زيادة نسبة التبخر من البحار والمحيطات, وبالتالي زيادة تكثيف هذا البخار وتحوله إلى أمطار, وإذا تساقط هذا المطر في المناطق ذات الطقس القارس البرودة مثل الدائرتين القطبية الجنوبية والقطبية الشمالية في صورة ثلوج, تعكس بدورها مزيدا من أشعة الشمس لتعيدها إلى الفضاء, مما يقلل من ارتفاع متوسط درجات الحرارة إلى مستويات قياسية, ويحدث ذلك حتى لو استمرت الممارسات الإنسانية الخاطئة. إن تأثيرات ارتفاع درجة الحرارة غير مؤكدة حتى الآن, فكثير من الأجناس النباتية تتحرك شمالا حتى تجد مناخا أكثر برودة يمكنها من البقاء وعدم الاندثار, وهي تثبت نجاحا مدهشا في القيام بذلك. دعونا نتخيل ما يمكن أن يحدث إذا ذابت الثلوج في منطقة جرينلاند وفي الدائرة القطبية الشمالية, إن هذا سيعني إغراق مساحات شاسعة من الأرض في دول مثل بنجلاديش ونيوزلاندا, بينما سيعني هذا خيرا عميما لدول أخرى مثل كندا وروسيا, حيث ستطول فصول الإنماء وتتحسن الأحوال في مساحات هائلة بهذه الدول. كذلك فإن بعض الدول سيصيبها الجفاف, بينما تزداد نسبة الأمطار التي تهطل على دول أخرى. إذن فالمسألة ليست سيئة تماما, إذ اعتمادا على المناطق التي ستستفيد من تلك التغيرات, والتي لا يعرف أحد بالضبط أين ستكون, فإن العالم قد يصبح مكانا أفضل لمعيشة الإنسان وأكثر راحة. والتنبؤ بأن متوسط درجات الحرارة سيصبح أعلى قليلا يعتبر بمثابة أخبار طيبة لأولئك الذين يعيشون في منطقة حزام الصقيع, فكلفة التدفئة لمنزل ما تعد أكبر مما يمكن أن ينفقه الإنسان على تبريد المنزل, كذلك فإن الإطارات التي تتطلبها السيارات للسير بالمناطق الثلجية تكلف الكثير, وهكذا فإنه بدلا من هجرة بني البشر إلى مناطق الحزام الشمسي, سيبقى هؤلاء في مناطقهم بينما يتحرك إليها ذلك الحزام! وهناك اتفاق على أن كلفة إزالة التأثيرات السلبية للإنسان على المناخ ستكون جد مرتفعة, فهي تتطلب إيجاد بدائل عملية لمصادر الوقود الأحفورية وثاني أكسيد الكربون الذي تتسبب في انبعاثه عند الاحتراق. وفي عالم اليوم, لا يبدو في الأفق إمكان التوصل إلى بديل يكون منافسا في التكلفة للنفط, والغاز الطبيعي والفحم. وأشد المجموعات البشرية معارضة لبديل أكثر كلفة كمصدر للطاقة من المصادر السابقة هي مجموعة سكان الدول النامية فهم ليسوا على استعداد لدفع المزيد مما يمكن أن يحدث أي تأجيل آخر لسعيهم للتطور ولتحسين نوعية حياتهم, كذلك فإن الأغنياء على الجانب الآخر ليست لديهم أية رغبة في ما يمكن أن يتسبب في خفض لمستوى معيشتهم. فالمستويات الراهنة للمعيشة, إذا كانت مرتفعة, سرعان ما تتحول إلى ضرورات لا يمكن للمجموعة الإنسانية بطبيعتها الاستغناء عنها, قد تبدو غير ذلك بالنسبة إلى مجموعة أخرى تعيش خارج الدائرة وتنظر إلى من بالداخل من الخارج, بينما المسألة مختلفة تماما لمن يتواجدون داخل الدائرة وينعمون بهذه المستويات. لذا, فإن الحديث عن ضرورة تخفيف مالكي السيارات لاستخدام سياراتهم لمنع مشكلة لم تبرز تماما بعد هو حديث فارغ من المحتوى في نظر هؤلاء, لأنك ببساطة تتحدث عن شيء لم يحدث بعد, وهناك احتمال بألا يحدث. فإنفاق بعض المال للحيلولة دون حدوث مشكلة ما في المستقبل البعيد, يعد أمرا بلا معنى للكثيرين, وهكذا فإنه مهما يقال عن الأخطار التي نراها حاليا والتي سنراها في المستقبل, من الواضح أن الإنسان في وقتنا الراهن غير مستعد للقيام بأي شيء لمنع ما يطلق عليه (الانحباس الحراري) , فهذا هو طبع الإنسان دائما.