أكد العراق أمس انه لن يسمح لفرق التفتيش التابعة للأمم المتحدة بمعاودة مهاماتها ما لم تلب مطالبه, فيما هددت واشنطن على لسان وزيرة خارجيتها مادلين أولبرايت باستخدام القوة ضد العراق إذا لم يسمح باستئناف عمليات التفتيش , نافية في الوقت ذاته تقريرا نشرته صحيفة (واشنطن بوست) الأمريكية نقلاً عن مصادرها الخاصة يؤكد ان ريتشارد باتلر كبير المفتشين الدوليين يخضع لاملاءات أولبرايت تماماً عند القيام بمهام التفتيش في العراق, وانه استجاب لطلب وزيرة الخارجية الأمريكية (سراً) بوقف عمليات تفتيشية مفاجئة على بعض مواقع للأسلحة العراقية قبل عدة أشهر بهدف تفادي تسخين المواجهة مع بغداد في وقت غير مناسب لذلك. ورغم ان البيت الأبيض انضم لأولبرايت وباتلر في نفى ما حواه تقرير (واشنطن بوست) الذي أثار زوبعة شديدة أمس إلا ان باتلر رفض الإجابة عن اسئلة الصحفيين حول ما إذا كانت أولبرايت أجرت معه اتصالاً من السفارة الأمريكية في البحرين حسبما جاء بالتقرير. ومن جانبه قرر مجلس الأمن الدولي الليلة قبل الماضية انتظار نهاية المهمة التي يقوم بها في بغداد الموفد الخاص للأمم المتحدة براكاش شاه قبل دراسة أي تحركات محتملة. واكد نزار حمدون مندوب العراق لدى الأمم المتحدة في حديثه مع شبكة (C.N.N.) الأمريكية ان فرق التفتيش الدولية لن تستطيع معاودة مهاماتها طالما لم تتم المطالب العراقية. وفي مؤتمر صحفي عقدته أولبرايت بواشنطن أمس حذرت من ان الولايات المتحدة ستستخدم القوة إذا لزم الأمر للرد على أي تهديدات من جانب بغداد في المواجهة الحالية بين العراق والأمم المتحدة. واتهمت أولبرايت الرئيس العراقي صدام حسين بمحاولة تحويل المواجهة بين العراق والأمم المتحدة الى مواجهة مع الولايات المتحدة. وأعقبت تهديدات أولبرايت للعراق ما ذكرته مصادر مطلعة لصحيفة (واشنطن بوست) الأمريكية من ان واشنطن حثت رئيس اللجنة الدولية المشرفة على تدمير الأسلحة العراقية (اليونسكوم) ريتشارد باتلر سرا خلال الأشهر القليلة الماضية على وقف القيام بغارات تفتيشية مفاجئة على مواقع عراقية كان يمكن أن تؤدي الى الكشف عن أمور ممنوعة تتعلق ببرامج التسليح العراقي المحظورة, وذلك من أجل عدم تسخين المواجهة مع نظام حكم الرئيس العراقي صدام حسين. وقالت الصحيفة ان الحكومة البريطانية أيدت هي الأخرى موقف واشنطن وأبلغت رئيس اليونسكوم ريتشارد باتلر ان الوقت غير مناسب لذلك. ولكن وزارة الخارجية الأمريكية نفت هذه الاتهامات, واكدت ان سياسة واشنطن ما زالت تقوم على مواصلة تأييد عمليات التفتيش الدولية في العراق ولا تتدخل في الكيفية التي تتم بها. ونقلت صحيفة (واشنطن بوست) عن مصادر (أمريكية ودبلوماسية مطلعة) قولها ان واحدة من هذه المرات التي تدخلت فيها الولايات المتحدة سرا مع باتلر من أجل عدم القيام بتلك الغارات التفتيشية كانت في الرابع من الشهر الجاري حين كان رئيس اليونسكوم ريتشارد باتلر في البحرين بعد زيارته القصيرة الى بغداد واختلافه مع المسؤولين العراقيين الذين أوقفوا التعاون مع لجنته في أعقاب ذلك الاجتماع. واضافت ان وزيرة الخارجية مادلين أولبرايت اتصلت بباتلر على خط تلفوني آمن في السفارة الأمريكية في البحرين وطلبت منه (ان يلغي بهدوء أوامر كانت صدرت الى فريق تابع لليونسكوم بالقيام بعمليات تفتيش مفاجئة على موقعين عراقيين كان يمكن حسب الصحيفة الأمريكية, ان (يؤديا إلى الكشف عن مكونات أسلحة ممنوعة ووثائق تتحدث عن جهود العراق الخاصة باخفاء تلك الأسلحة. وقالت الصحيفة انه بعد تدخل أمريكي آخر يوم الجمعة قبل الماضي, أمر باتلر بإلغاء الغارتين التفتيشيتين. وقالت الصحيفة نقلا عن المصادر الدبلوماسية التي تحدثت اليها, ويبدو انها مصادر دبلوماسية في الامم المتحدة, ان تلك المصادر اعتبرت الغارتين اللتين حثت واشنطن اليونسكوم على عدم القيام بهما كانتا (أكثر الغارات التفتيشية وعدا بامكانية العثور على مكونات أسلحة عراقية محظورة) . ويتناقض هذا الكشف مع المواقف والتصريحات العلنية الأمريكية التي تظهر واشنطن على أنها أشد مدافع عن ضرورة أن يمتثل العراق امتثالا كاملا وغير مشروط بجميع قرارات مجلس الأمن ذات العلاقة بما فيها تلك الخاصة بتدمير أسلحة الدمار الشامل العراقية ووسائل اطلاقها. من ناحية أخرى نفت وزيرة الخارجية الأمريكية مادلين أولبرايت الاتهامات التي وجهها من يبدو أنهم دبلوماسيون دوليون اليها, وقالت في بيان من جملة واحدة عبر أحد الناطقين باسمها ان (سياسة الولايات المتحدة هي التأييد الكامل لليونسكوم في عملياتها التفتيشية في العراق, ولم أحاول أبدا تعليم السفير باتلر كيف يقوم بمهمته) , غير أن الصحيفة قالت ان الوزيرة الأمريكية ومساعديها رفضوا التحدث عن المكالمة التلفونية التي يقال ان أولبرايت أجرتها مع باتلر في الرابع من الشهر الجاري في البحرين أو يوم الجمعة قبل الماضي في نيويورك. وكذلك نفى باتلر حدوث ذلك, وقال ان أية اشارة الى أنه (تلقى أوامر من أولبرايت تحريف كبير لما حدث) . وأضاف ان ليس هناك "أي عضو في مجلس الأمن, بما في ذلك الأمم المتحدة, يعمل على توجيه أوامر الي, فهم جميعا يدركون أن مهمتهم سياسية, أما مهمتي فهي عملياتية) . ولكن باتلر رفض الرد على سؤال حول ما اذا كانت أولبرايت قد أجرت معه اتصالا تليفونيا في السفارة الأمريكية في البحرين, وقال انه يفضل عدم الاجابة عن أسئلة تتعلق باتصالات يجريها مع ممثلي الدول الأعضاء في مجلس الأمن. وقالت الصحيفة نقلا عن الدبلوماسيين الذين سربوا الخبر اليها ان اليونسكوم بدأت في يونيو الماضي تعد خططا للقيام بغارات تفتيشية سريعة ومفاجئة وأحيانا من دون علم جميع المفتشين على مواقع يعتقد أنها ستكشف مكونات اسلحة أو معلومات عن برامج العراق التسليحية المحظورة. وأضافت أن باتلر قام بابلاغ كل من واشنطن ولندن بهذه الخطط, وتفيد الصحيفة بأن واشنطن ولندن اتخذتا موقفا موحدا رافضا القيام بهذه العمليات التفتيشية على أساس ان الوقت غير مناسب, وكشفت النقاب عن أن ديريك بلامبلي, مدير قسم الشرق الأوسط في وزارة الخارجية البريطانية سافر الى نيويورك في 15 يوليو الماضي ليلتقي باتلر شخصيا ويبلغه ان لندن تعتقد ان الوقت غير مناسب لمثل هذه العمليات, وقالت الصحيفة ان السفير بيتر بيرلي من البعثة الأمريكية في الأمم المتحدة اجتمع هو الآخر الى باتلر واثار عدة أسئلة معه حول تلك العمليات, وقالت انه في حين ان السفير الأمريكي أبلغ باتلر ان قرار تنفيذ تلك العمليات هو (قرار يعود الى اليونسكوم, فإنه ترك الانطباع بأن واشنطن لا تؤيد هذه التفتيشات) . وحسب الصحيفة الأمريكية, فإن باتلر الغى تلك الغارات التفتيشية المفاجئة في شهر يوليو الماضي, ولكنه وضع خطط طوارىء لاعادة جدولة تنفيذها بعد لقاءاته في مطلع الشهر الجاري مع طارق عزيز في بغداد. وقالت انه اصطحب معه فريقا يرأسه الأمريكي سكوت ريتر وخبراء كمبيوتر واستيراد وتصدير بهدف البدء بتنفيذ هذه الغارات التفتيشية في السادس من الشهر الجاري. ولكنه حين أبلغ الولايات المتحدة وبريطانيا بعزمه, بلغه ان وزيرة الخارجية أولبرايت تريد التحدث اليه ما استدعى توجهه الى السفارة الأمريكية في البحرين للتحدث معها على الخط الآمن وهي المكالمة التي تقول الصحيفة ان أولبرايت أكدت له فيها ان واشنطن لاتؤيد القيام بتلك العمليات في هذه المرحلة, وقالت الصحيفة ان باتلر وافق على تأجيل تنفيذ تلك العمليات الى التاسع من الشهر على أمل أن يقنع واشنطن ولندن بتلك العمليات بعد ان يطلع مجلس الأمن على آخر ما استجد من تطورات في الملفات العراقية. ولكن باتلر حسب الصحيفة تلقى مكالمة من (مسؤول أمريكي رفيع) يوم الجمعة قبل الماضي حثه فيها على عدم القيام بتلك التفتيشات. من جانبه سعى البيت الأبيض الأمريكي إلى تفنيد ما جاء بتقرير واشنطن بوست. وقال المتحدث باسم البيت الأبيض مايكل ماكوري ان مسؤولين أمريكيين (تشاوروا) مع اليونسكوم لكنهم لم يطلبوا منها إلغاء زيارتين مفاجئتين كانت اللجنة تعتزم القيام بهما لمواقع عراقية. وقال ماكوري في ايجاز صحفي ان أولبرايت اصدرت بهذا الشأن تصريحا من جملة واحدة عبر متحدث باسمها الى صحيفة واشنطن بوست واكدت فيه انها لم تبلغ باتلر قط كيف ينبغي ان يؤدي عمله مضيفا انها سوف تدلي بتصريح بهذا الشأن ايضا في وقت لاحق. وردا على اسئلة الصحفيين حول طبيعة المشاورات مع اليونسكوم قال (تشاورنا معها حول أفضل السبل لانجاز مهمتها من حيث التوقيت والنتائج لكننا لا نأمرها بألا تنفذ مهمتها) . وعلى صعيد الموقف الدولي صرح دبلوماسيون في الأمم المتحدة أمس الأول ان الولايات المتحدة وبريطانيا طلبتا خلال جلسة مغلقة لمجلس الأمن ان يعمد المجلس الى الاسراع في الرد على طلب (التعليمات) الذي قدمه مفتشو الأمم المتحدة لنزع السلاح بعد تجميد تعاونهم مع العراق, لكن أكثرية الأعضاء الخمسة عشر تمنوا (انتظار نتائج رحلة شاه في بغداد) كما صرح للصحافيين نائب المندوب الصيني شين جيوفانج. وفي ختام لقاء استغرق اكثر من ساعة مع نائب رئيس الوزراء العراقي طارق عزيز أعلن شاه ان بغداد والأمم المتحدة (ستواصلان الحوار) . لذا اقترح رئيس مجلس الأمن دانيلو تورك ان تؤجل الى بعد غد الاثنين مناقشة الرد على طلب اللجنة الخاصة لنزع سلاح العراق (يونسكوم) والوكالة الدولية للطاقة الذرية. ــ الوكالات