الزمان: شهر فبراير في شتاء عام1990،المكان: مشروع الخطارة للتنمية الزراعية والحيوانية واستصلاح الاراضي.الحدث: زيارة الشيخ زايد رئيس دولة الامارات العربية المتحدة الى مصر ولقاؤه بالرئيس المصري حسني مبارك وكبار المسؤولين المصريين ثم زيارته التفقدية بصحبة مبارك الى هذا المشروع التنموي العملاق التفاصيل: الشيخ زايد يقرر بعد اعجابه الشديد بالمشروع وتجربته الزراعية الرائدة وبعد اطلاعه على ظروف عمال المشروع واضطرارهم للسفر يومياً اليه من محافظات ومدن وقرى بعيدة ان يبني على نفقته الخاصة مدينة سكنية اطلق عليها المصريون (القرية النموذجية) لتوفير سبل المسكن والراحة للالاف من العمال الذين يذهبون للعمل يوميا في مشروع الخطارة. (الملف السياسي) كان هناك بعد ثماني سنوات على (هدية) الشيخ زايد للعمال والفلاحين والفنيين المصريين بمشروع الخطارة الزراعي والصناعي, ماذا قال هؤلاء؟ وماذا حقق الشيخ زايد على ارض الواقع؟ وما تعليق المسؤولين المصريين على هذا العمل وكيف انعكس على مسيرة التنمية بمحافظة الشرقية بشكل خاص والاقتصاد القومي المصري بشكل عام . كيف جاءت الفكرة؟ لمبادرة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئىس دولة الامارات نحو عمال مشروع الخطارة المصري قصة تعود الى أكثر من سبع سنوات مضت يحكيها المهندس الحسيني العراقي وكيل اول وزارة الزراعة المصري فيقول: كعادته خلال زياراته السنوية المتكررة الى مصر منذ اواخر الثمانينات وحتى الان صاحب الشيخ زايد الرئىس مبارك في جولة تفقدية الى عدد من المشاريع التنموية العملاقة في مصر, وكان مشروع الخطارة الذي يقع على بعد 45 كيلو مترا من مدينة الزقازيق وحوالي 120 كيلو مترا من القاهرة احد ابرز المشروعات التي تفضل الشيخ زايد بالاطلاع على ما انجز فيها من انتاج وفير متميز على كافة المستويات الزراعية والصناعية والحيوانية. وعلى هامش الزيارة التقى الشيخ زايد والرئىس مبارك بعدد كبير من عمال المشروع وتعرفا على ظروفهم الصعبة من حيث اضطرارهم لقطع عشرات الكيلو مترات يوميا حتى يتمكنوا من الوصول الى عملهم وهو ما يكلفهم وقتاً ومالاً واجهاداً يؤثر على الانتظام في العمل والانتاج وحينما سمع الشيخ زايد من العمال هذه الظروف الصعبة, ولانه رجل عاشق للزراعة وعدو للصحراء كما يقولون جاءت مبادرته الكريمة واصدر اوامره في الحال لانهاء هذه المشكلة الاساسية التي تواجه عمال مشروع الخطارة, واعلن الشيخ زايد قبيل مغادرته ارض المشروع تقديم منحة ضخمة في هذا الوقت قدرها (12 مليون) درهم اماراتي وهو مايعادل بالعملة المصرية حينذاك اكثر من 11 مليون جنيه تقريبا وذلك بهدف انشاء مشروع سكني متكامل لهؤلاء العمال تتوفر فيه شتى الخدمات الصحية والتعليمية والدينية والثقافية. جولة الشيخ زايد ويتذكر المهندس عبد العليم احمد عامر من القيادات البارزة بمشروع الخطارة وعضو مجلس الادارة اليوم الذي زار فيه الشيخ زايد المشروع فيقول: كان الشيخ زايد يستمع باهتمام وتركيز شديدين من كل المسؤولين عما انجز وتحقق بمشروع الخطارة خلال فترة وجيزة باعتباره من المشروعات التي تستهدف تخفيض الاستيراد الزراعي والحيواني وصولا الى الاعتماد على الذات وتعظيم القدرات الوطنية الزراعية وتشغيل الخريجين والقوى العاملة الذين لايجدون فرصة عمل مناسبة. في هذا اليوم زار الشيخ زايد اكثر من 75% من مشاريع وانشطة ومصانع مشروع الخطارة وكأن يسأل عن بعض التفاصيل المتعلقة بالتسويق, والانتاج, وظروف العمال, وقد زار بالفعل مشروعات الالبان ومصنعا للالبان, ومشروعا لانتاج وتصنيع وتعبئة اللحوم الحمراء بغرض التصدير والتوزيع في السوق المحلي في نفس الوقت, واعجب الشيخ زايد يومها بانجازات المشروع في التربية الحيوانية ومراعي الاغنام والماعز المتوافرة على مساحات شاسعة, كما تابع الشيخ زايد بعض المحاصيل الشتوية المزروعة بالمشروع وقتها مثل القمح والشعير, والخضروات ورأى بعض نماذج للثمار والانتاج من هذه المحاصيل. ولم تقف مشاهدات الشيخ زايد عند هذا الحد وانما امتدت جولته الطويلة لمشروع الخطارة الزراعي لتشمل رؤية مزارع الموالح والبساتين ولاسيما انها كانت مثمرة في هذا التوقيت وكان انتاجها متميزاً أو متفوقا عن غيره من المزارع والمشاريع الاخرى. المستفيدون يتحدثون وقبل ان نستمع الى كلمات المستفيدين من العمال والفلاحين وشباب الخريجين نرصد مشاهدات (البيان) في قرية الشيخ زايد النموذجية بمشروع الخطارة بمحافظة الشرقية بدلتا مصر. القرية تم اقامتها في السنوات الثلاث الاولى من بدايات التسعينات وشرع المسؤولون في التنفيذ بعد اشهر قليلة من زيارة الشيخ زايد للمشروع, وتم اقامه قرية الشيخ زايد النموذجية على مساحة تصل الى 50 فدانا قابلة للزيادة والتوسع العمراني والسكني طبقا لاحتياجات المشروع وعماله والمستفيدين منه, وتضم القرية اكثر من 500 مسكن مستقل يكفي المسكن الواحد لاستضافة عدة اسر من اسر العمال الذين يستقرون ويقيمون في مشروع الخطارة. وحتى تتوافر كل عوامل الخبرات للاقامة بالمشروع قرر الشيخ زايد في توجيهاته للمسؤولين المعنيين بالتنفيذ: ان يتم انشاء مدرسة ابتدائية واخرى اعدادية لابناء عمال المشروع وانشاء مسجد كبير, وسوق تجاري ومستشفى أو وحدة صحية متكاملة الخدمات الصحية والعلاجية لتكون جاهزة لعلاج العمال من اي اصابات او حوادث او امراض بما في ذلك الرعاية الصحية الدورية كالتحاليل الطبية وغيرها. ايضا حرص الشيخ زايد ان يوصي المسؤولين بضرورة ان تشمل هذه القرية النموذجية توفير جميع انواع المرافق مثل الطرق والمواصلات والتيار او الطاقة الكهربائية, فضلا عن مياه الشرب النظيفة ودار متكاملة للمناسبات بما يعني ان الشيخ زايد اهتم بايجاد عوامل جذب لحياة متكاملة لجميع عمال المشروع الذين يصلون الى اكثر من ثلاثة آلاف عامل مابين فني ومهندس, وعامل. وهنا التقت (البيان) بعدد من المستفيدين وساكني القرية النموذجية التي انشأها الشيخ زايد لعمال الخطارة فقال عبد المنعم عبد الرحمن من شباب الخريجين: كنت اسافر يوميا منذ عام 1989 حين بدأت العمل بالمشروع وحتى عام 1994 من مدينة الزقازيق لمسافة تزيد على 40 كيلو مترا ذهابا وايابا, وحينما سمعنا بمبادرة الشيخ زايد بعد زيارته للمشروع لم نصدق انفسنا, ثم فوجئنا ان هذا الحلم اصبح حقيقية ورأينا قرية الشيخ زايد النموذجية بشكل وامكانات وطراز يفوق اجمل القرى السياحية المصرية في الساحل الشمالي, وبينما كنا نأمل فقط بمسكن تتوافر فيه الخدمات الاساسية وجدنا كل الخدمات الصحية والترفيهية والسوق التجاري والمسجد الذي نقيم فيه الصلاة. وعلى ذكر المسجد الذي شدد الشيخ زايد على اقامته يتحدث ابراهيم البطل مهندس زراعي فيشير إلى ان المسجد تم بناؤه على الطراز الاسلامي ويتميز بمئذنة وقبة عالية واللون الابيض الجميل وهو مسجد ضخم يتسع لاكثر من 500 مصل, وبه امتدادات واسعة للمصلين, كما يحتوي المسجد على مصلى للسيدات ولاسيما ان المئات وربما الالاف من العمال اصطحبوا اسرهم وزوجاتهم معهم للاستقرار في ارض المشروع وليصبح المشروع هو العمل والمسكن والاقامة الدائمة. وفي نفس الوقت تم تزويد مسجد قرية الشيخ زايد النموذجية بدارين للمناسبات واحدة للرجال واخرى للسيدات حتى يتم فيهما التعبير عن افراح العمال, واي مناسبات اخرى تخصهم. حسن فتحي اخرى ويقول حسن زكي (عامل) 35 سنة بمشروع الخطارة وأحد سكان قرية الشيخ زايد ان ابرز ما يميز هذه القرية ليس فقط خدماتها وامكانياتها المتكاملة التي سبق الاشارة اليها وانما ايضا الجو الصحي والطبيعي الجميل في مساكن القرية في جميع فصول السنة حيث تم تصميم وتنفيذ هذه الوحدات السكنية بما يسمح لها بنظام تهوية صحي ودائم يذكرنا بقرية الفنان حسن فتحي التي لا يشعر من يزورها او يسكنها لا بحرارة الشمس والصيف ولا برودة الشتاء. والمسكن في قرية الشيخ زايد النموذجية يتميز بالاتساع والمساحات الخضراء المجاورة فهو يتكون من ثلاث غرف كبيرة وحمام ومطبخ وحجرة للخزين تتناسب واحتياجات العمال والفلاحين بالمشروع وطبيعتهم وتقاليدهم, كما يحتوي كل مسكن على قبة هوائية موجودة اعلى سطح المنزل تسمح بسهولة دخول الهواء الطبيعي, ويضاف الى ذلك الاسلوب والطراز الجمالي الاسلامي الذي يزيد من الاستمتاع بالمسكن ويزيد من الاحساس بالراحة فيه. ويتطرق صلاح الشهاوي من عمال المشروع الى زاوية اخرى ميزت القرية النموذجية التي بناها الشيخ زايد بمشروع الخطارة وهي ان المساكن ذهبت لمستحقيها في المقام الاول ومن يواجهون بالفعل ظروفا صعبة فقد تم توزيعها منذ سنوات بعد ان تم وضع شروط وضوابط موضوعية ومنطقية لتنظيم حصول العمال عليها, وهي: 1 ــ ان يكون المستفيد او المنتفع من هذا المسكن من محدودي الدخل بمعنى انه لايقدر او يستطيع ان يوفر مسكنا لنفسه سواء بأرض المشروع او في مكان آخر. 2 ــ ان يكون العامل الذي يتقدم للحصول على المسكن متزوجا ويعول اي يعاني بالفعل من ظروف اجتماعية تستدعي تمكينه من الحصول على هذه الوحدة السكنية ضمن مشروع القرية. 3 ــ الاّ يكون للعامل أو الشخص المستفيد من المسكن الواقع بالقرية أي مصدر آخر من مصادر الدخل. وقد تم وضع هذه المعايير طبقاً لضوابط تم الاتفاق عليها بعد زيارة الشيخ زايد لمصر وجولته بالمشروع بين صندوق ابوظبي للتنمية والذي قام بتنفيذ القرية, ومحافظة الشرقية كجهة تنفيذية رسمية تمثل الجانب المصري. اول شخصية عربية وفي تصريحات خاصة لــ(البيان )عن مشروع الخطارة الزراعي المصري ومبادرة صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة بانشاء قرية سكنية متكاملة لصالح عمال المشروع قال الدكتور حسين رمزي كاظم محافظ الشرقية: ان الشعب والقيادة السياسية المصرية يقدرون ويذكرون للشيخ زايد اسهاماته ومبادراته العديدة لدعم ومساندة مصر سياسيا, واقتصاديا, ودبلوماسيا, واذا كان مشروع الخطارة بمحافظة الشرقية هو احد نماذج التعاون والتضامن الذي قدمه الشيخ زايد لمصر فإننا نعتبر الشيخ زايد الشخصية العربية الاولى التي لا تتأخر عن تقديم المساندة لمصر في كافة المجالات وبالاخص في المجالات الزراعية بدليل تجربة مشروع الخطارة كنموذج يعود الى الثمانينات, ثم تجربة مشروع تنمية جنوب الوادي اوتوشكى والذي نتطلع الى ثماره وانجازاته في السنوات المقبلة. ويضيف محافظ الشرقية بأن الدعم والمساندة الذين اعطاهما الشيخ زايد لهذا المشروع يتكاملان ويتسقان مع اهتمام الدولة الكبير به وسوف يدفعنا ذلك الى الحفاظ على دور مشروع الخطارة ومكانته في التنمية الزراعية والشاملة في مصر وعلى ارض محافظة الشرقية على وجه الخصوص.