غدا تمر 46 عاما على قيام ثورة يوليو في مصر بقيادة جمال عبد الناصر, والثورة كانت مثار كتابات وتحليلات وتأريخ وتقارير عديدة منذ قيامها ومازالت مستمرة حتى الان وبطبيعة الحال ستستمر بعد الان ايضا . (الملف السياسي) الذي يصدر بعد غد (الجمعة) يتضمن الجوانب المسكوت عنها في ثورة يوليو. ومن بين هذه الجوانب حكايات لم تنشر عن عبد الناصر واسلوبه في الثورة وفي الحياة وحسه السياسي الفائق. ولقد كان عبد الناصر شديد الايمان بأن معظم مصادر قوته تكمن في قدراته على تثوير الجماهير, واستقطابها لخطة السياسي, وشخصيته البطولية (الكارزمية) ولم يكن يغفل عن ذلك طرفة عين, بل لم يكن يقبل ان يشاركه في تلك القدرة أحد. يحكي محمد حسنين هيكل ان ايمان عبد الناصر بمكمن تلك القوة, دفعه ذات مرة ــ اثناء حرب اليمن ــ الى توزيع مائة الف جهاز راديو لأفراد القبائل اليمنية, ليضمن استماعهم الى اذاعة (صوت العرب) , وانحيازهم من ثمّ الى اتجاهه في النضال. والغريب ان قدرات اذاعة (صوت العرب) الاستقطابية قد أدت في مرحلة معينة إلى ازعاج الادارة الأمريكية, خوفا من ان تؤدي إلى رص الشعب العربي برمته وراء عبدالناصر. ويحكي هيكل أيضا ان وزير الخارجية الأمريكي الأسبق جون فوستر دالاس, قام بتوسيط الأمين العام للأمم المتحدة حينها داج همرشولد, ليطلب من عبدالناصر تقديم بعض التنازلات, وعلى رأسها ايقاف اذاعة (صوت العرب).. وأدرك عبدالناصر سر اللعبة, ورد على المبعوث قائلا: ان فوستر يريد بذلك ان يجردني من أقوى أسلحتي! وبالفعل فقد كان عبدالناصر يؤمن بالاتصال المباشر بالشعب بذلك النحو, وكانت حركة يوليو بقيادته تؤمن حقا بقيام حكومته من أجل الشعب والنخبة الثورية وحدها هي المؤهلة لأداء تلك المهمة لاسعاد الشعب, وعلى الشعب أن يلتف حولها ويساندها. وحديث 23 يوليو عبدالناصر حديث يطول. ولقد ذهب الرجل وبقيت منه ومن ثورته مآثر وعبر ودروس في مقدمتها ان كانت 23 يوليو رمزا لقدرة الانسان العربي على ان يغير ما استطاع ويتطلع للمستقبل. وكم اسعدنا ان نعرف من ثنايا الاخبار ان كانت تضحكه نكتة ابن البلد بغير اسفاف وان كان يشجيه صوت ام كلثوم وان الجبن الابيض والخبز الناشف كانا طعامه المفضل, وان اولاده كانوا يأخذون مصروفا مثل اولادنا... وانه كان يحرص على حضور حفل متواضع لمجلس الآباء في مدرسة الطبري الاعدادية القريبة من منزله بوصفه ولي امر تلاميذ صغار وان هذا كله كان يتم في تواضع الرجل الصعيدي المحافظ بغير زفة دعاية ولا ضجة اعلام. هذا جانب من شخصية عبدالناصر التي يتضمن (الملف السياسي) بعد غد جوانب أخرى عديدة منها.