استقبلت العاصمة الفرنسية باريس الرئيس السوري حافظ الاسد الذي دشن زيارة لها تستغرق ثلاثة أيام أمس استقبالا فوق العادة, وذلك وسط اهتمام امريكي روسي بالغ, وعقد الأسد ونظيره الفرنسي جاك شيراك جلسة أولى من المحادثات بقصر الاليزيه دامت ساعتين ونصف تركزت على عملية السلام قبل مأدبة العشاء التي اقامها الرئيس الفرنسي على شرف الأسد, تزامن ذلك مع جلسة محادثات منفصلة عقدها وزيرا خارجيتي فرنسا هوبير فيدرين وسوريا فاروق الشرع على هامش محادثات رئيسيهما. واتهم الرئيس السوري اسرائيل باعادة عملية السلام الى نقطة الصفر فيما اعتبر الرئيس الفرنسي خلال هذا الاجتماع ان الوضع الحالى (قريب من الطريق المسدود الكامل) . وانه لا سلام بدون سوريا واعادة الجولان المحتلة الى سيادتها, كما طالب باستمرار الانتشار الاسرائيلي بالاراضي الفلسطينية وتحقيق السلام في لبنان. وقال الرئيس السوري في كلمة القاها خلال حفل العشاء ان عملية السلام واجهت بعد مجيء الحكومة الاسرائىلية الحالية وضعا جديدا اعاد العملية السلمية الى نقطة الصفر حيث رفضت هذه الحكومة المرجعية القانونية للعملية السلمية وهي الارض مقابل السلام واستبدلتها بالامن لاسرائيل متجاهلا امن بقية دول المنطقة وحقوقها المشروعة, واعتبر الاسد ان عملية السلام التي بدأت في مؤتمر مدريد مجسدة رغبة المجتمع الدولي في اقامة سلام عادل يرتكز على قرارات الامم المتحدة ذات الصلة ومبدأ الارض مقابل السلام قد وصلت الى طريق مسدود بسبب سياسة التعنت التي تتبعها اسرائيل. واضاف ان السلام العادل والشامل هو غايتنا وهو خيارنا الاستراتيجي الذي نعمل لتحقيقه وهو في مصلحتنا ومصلحة الجميع في المنطقة. وتابع الرئيس السوري وفي اطار الجهود الدولية المبذولة لتحقيق السلام لا ارى اي تعارض بين الدور الاوروبي والجهود التي بذلتها وتبذلها الولايات المتحدة الامريكية مادام الجميع يدركون اهمية السلام. على ناحية اخرى قالت المتحدثة بلسان قصر الاليزيه كاترين كولونا ان الرئيس شيراك عرض على الاسد (الاقتراح الفرنسي المصري بعقد مؤتمر للدول الراغبة فى انقاذ عملية السلام) الذي اطلقه مع الرئيس المصري حسنى مبارك فى 18 مايو الماضي. واوضحت ان الرئيس الاسد (لم يعلق كثيرا) مضيفة انه من الواضح انه كان مطلعا على مضمون واهداف المبادرة الفرنسية المصرية (ولم يرفض الفكرة) . واوضحت المتحدثة ان شيراك شدد على ان (فرنسا عازمة على عدم ترك عملية السلام تنهار لان الوضع سيكون بالغ الخطورة) مذكرا بان فرنسا (تدعم الجهود الحالية للامريكيين) . لكن الرئيس الفرنسي شدد على ان (الوقت يمر ونحن نقترب من اللحظة التى يتعين التفكير فيها بطريقة ملموسة اكثر فيما يمكن ان تفعله الدول المعنية بالسلام اذا توقفت المسيرة الحالية) . واعتبر شيراك ان التحرك المصري الفرنسي (وسيلة للخروج من المأزق الحالي) وان (هدفه الوحيد) هو المساعدة فى استمرار عملية السلام موضحا ان الامر يتعلق بجمع (كل ذوي النوايا الحسنة) . وقال ان هذا المؤتمر (سيعيد التأكيد على المبادىء التى قامت عليها عملية السلام وعلى صلاحية الاتفاقات المبرمة وضرورة تطبيق قرارات الامم المتحدة ذات الصلة) . كما تناول اللقاء المسار اللبناني فى عملية السلام وتطبيق قرار مجلس الامن رقم 425 الذي يطالب بانسحاب غير مشروط للقوات الاسرائيلية من الجنوب اللبناني. وذكر شيراك بموقف فرنسا الثابت المطالب بضرورة تطبيق هذا القرار بدون شروط. واعلنت المتحدثة باسم الاليزيه ان شيراك تطرق مع الاسد إلى الطلب الفرنسي بتسليم مجرم الحرب النازي الويس برونر من دون ان يحصل على جواب محدد. وحظي الرئيس السوري باستقبال استثنائي اذ فردت باريس السجادة الحمراء تحت اقدام الاسد مرتين, في الاولى حين استقبله نظيره الفرنسي جاك شيراك بمطار اورلي على خلاف البروتوكول المتبع في مثل هذه الزيارات استعرض معه حرس الشرف بالمطار قبل ان يكرر الاستقبال مرة ثانية امام قصر الاليزيه, وفيما ازدانت شوارع باريس بالاعلام السورية والفرنسية لم يفسد الاستقبال الحار للرئيس السوري تحركات اللوبي الصهيوني الذي كان ابدى اعتراضه على اتمامها. وجرى للرئيس السوري الذي يرافقه خمسة وزراء ووفد من رجال الاعمال استقبال حار في مطار اورلي بحضور نظيره الفرنسي جاك شيراك. وعقد الرئيسان خلوة قصيرة قبل ان يغادرا على متن طوافة المطار الى باريس التي ازدانت بالاعلام الفرنسية والسورية. وبعد ان وصل الرئيس السوري الى فندق ماريني مقر ضيوف الدولة الفرنسية الكبار عاد وانتقل الى قصر الاليزيه حيث بدأ الرئيسان عند الساعة 17.00 (15.00) ت ج جولة اولى من المحادثات وعقدا جلسة مباحثات مغلقة اقتصرت عليهما فقط تناولت كما اعلن مقدماً سبل دفع آلية عملية السلام في الشرق الاوسط ومنعها من الانهيار بسبب السياسة المتعنتة التي تنتهجها الحكومة الاسرائيلية بالاضافة الى بحث العلاقات الثنائية بين فرنسا وسوريا وسبل دعمها وتطويرها في شتى المجالات. كما يبحث الرئيسان تطورات الازمة العراقية والحظر المفروض على العراق وليبيا والقضايا الراهنة اضافة للعلاقات الثنائية. تزامن ذلك مع اجراء محادثات بين وزيري خارجية فرنسا وسوريا هوبير فيدرين وفاروق الشرع في جلسة منفصلة لاستعراض عدد من القضايا الراهنة. ويعقد شيراك والاسد جلسة مباحثات ثانية صباح اليوم (الجمعة) بقصر الاليزيه لاستكمال مشاوراتهما حول القضايا المطروحة للبحث. ويزور الاسد ظهر اليوم مقر عمدة باريس حيث يلتقي بالعمدة جان تيبيري ثم يجتمع مع رئيس الوزراء الفرنسي ليونيل جوسبان الذي يقيم مأدبة غداء بمقر وزارة الخارجية تكريما للرئيس الاسد والوفد المرافق له كما يزور الرئيس السوري معهد العالم العربي. في هذه الاثناء اثارت المنظمات اليهودية ضجة داخل فرنسا باتهامها دمشق بايواء مجرم الحرب النازي الويس برونر وهو اتهام طالما نفته سوريا. واعاد سياسيو المعارضة الى الذاكرة اغتيال السفير الفرنسي في بيروت لوي دلامار عام 1981 وعدد من الجنود الفرنسيين على يد عملاء قيل انهم يتلقون توجيهاتهم من سوريا. واعربت الجماعات اليهودية عن غضبها لان الاسد الذي تتهمه بايواء المجرم النازي سيلتقي بشيراك في ذكرى القاء النازيين القبض على 12 الف يهودي في فرنسا في الحرب العالمية الثانية. واشاروا الى ان انتقاء الموعد يفتقر الى الحساسية وانهم يعتزمون التظاهر خارج السفارة السورية في مستهل زيارة الاسد. وقال سيرجي كلارسفيلد الذي يعمل في مجال تعقب النازيين (يبدو من الغريب ان نستقبل بالحفاوة حامي برونر الذي يتزامن وصوله مع ذكرى ترحيل فيل ديف) مشيرا الى ملعب الدراجات الذي احتجز فيه اليهود. وحكم على برونر بالاعدام غيابيا في محكمة فرنسية عام 1954 واعتبر مسؤولا عن اعتقال وترحيل نحو 100 الف من اليهود النمساويين واليونانيين والسلوفاك والفرنسيين الى المانيا حيث لقوا حتفهم بغرف الغاز وكان برونر مقيما في فرنسا عامي 1943 و1944 . من جهة اخرى طالبت حركة سوليدا المقربة من العماد ميشال عون المنفي في فرنسا باطلاق سراح (مئات اللبنانيين المحتجزين بشكل غير قانوني في سوريا بعضهم منذ عشرين سنة بشكل سري ومن دون محاكمة) . ووجهت الحركة نداء الى الرئيس الاسد (لاطلاق سراح جميع هؤلاء المحتجزين على الفور وان يتدخل شخصيا لوضع حد نهائي لعمليات الخطف داخل الاراضي اللبنانية) . من جانبهما اعربت الولايات المتحدة وروسيا عن اهتمامهما بزيارة الاسد لباريس وصرح المتحدث باسم وزارة الخارجية الامريكية ردا على سؤال بشأن زيارة الرئىس السوري لفرنسا, ان الولايات المتحدة تريد معرفة ما اذا كان للرئيس السوري (وجهات نظر جديدة قد تكون مفيدة لنا) في عملية السلام في الشرق الاوسط. وقال المتحدث باسم الوزارة جيمس روبين (اننا نتشاور كثيرا مع الفرنسيين بشأن جميع المشاكل المتعلقة بعملية السلام ونحن مهتمون بمعرفة ما اذا كان (الرئىس السوري) لديه وجهات نظر جديدة (بشأن عملية السلام) يمكن ان تكون مفيدة لنا) . واضاف المتحدث ان الولايات المتحدة تلاحظ (باهتمام) انها الزيارة الاولى التي يقوم بها الرئيس السوري لفرنسا منذ 22 عاما. من جانبه قال ناطق باسم وزارة الخارجية الروسية في تصريحات امس ان احراز تقدم في عملية السلام على المسارات الثلاثة (الفلسطينية والسورية واللبنانية) يتطلب بذلك الجهود المكثفة من قبل كافة الاطراف المشاركة في عملية مدريد والاطراف التي تقف خارجها على حد سواء. واضاف ان روسيا تتابع باهتمام كبير زيارة الاسد لفرنسا معربا عن امله في ان تكلل هذه الزيارة بالنجاح.ـ الوكالات