مونديال رأس القرن الفرنسي وضع نفسه على خارطة وتاريخ العالم علامة فارقة, لم يعد المونديال مجرد اكبر تجمع لاوسع لعبة رياضية شعبية في العالم, سيأتي زمان يتحدث المؤرخون فيه عن حقبة ما قبل مونديال فرنسا وعصر ما بعد المونديال . باريس تخلت ليلة ونهار الامس عن ربطة العنق وكسرت اطار اناقتها التقليدي والقت بوقارها المألوف خلف الجدران وخرجت إلى جادة الشانزليزيه في سيل بشري متحرر من العقد العصرية. باريس خرجت عشية عيدها الوطني إلى العالم عن مزاجها السياسي في روح رياضية استثنائية, باريس شهدت اكبر تجمع عبر القرن الحالي الذي يشارف على تمامه. مونديال فرنسا شهد بوادر تغييرات جذرية لاعادة تشكيل خارطة كرة القدم العالمية, في فرنسا تعرضت القوى كتب المحرر السياسي التقليدية في ميادين الكرة لضربات عنيفة. البرازيل اخر القوى الكبرى التي خرجت مطأطأة الرأس من باريس, قبلها تجرعت المانيا هزيمة قاسية, وكذلك سقطت ايطاليا صاحبة البورصة الرياضية الاغلى في عالم الكرة. وشربت الارجنتين جرعة مرة من الكأس نفسه, ولم يشفع لاسبانيا عدد النجوم الدوليين متعددي الجنسيات الذين يثرون ملاعبها بالارقام المالية والاهداف. وظلت هولندا تراوح مكانها, فلم يهيىء لها كالعادة نجومها المنتشرون في ملاعب اوروبا الاوسع شعبية فرصة كسر نحسها المألوف. الطموح الانجليزي في سبيل استعادة مكانة ضائعة اكثر من ربع القرن في زعامة العالم كرويا انكسر تحت جموح القوى الحديثة التي بدأت تفرض نفسها في الملاعب عشية القرن الجديد. فرنسا قفزت بجدارة واخترقت منطقة الوسط الى الصدارة. فرضت فرنسا نفسها على منصة التتويج وزعامة كرة القدم في القرن الحادي والعشرين. باريس يسكنها الفرح اكثر من غيرها. الانجاز الرياضي يضفي على الارث الفرنسي الثقافي ألقا عشية القرن المقبل. كأس الكرة العالمي يحمل في داخله معاني سياسية. الفريق الفرنسي يختزل ظاهرة العولمة المتجسدة في اللاعبين متعددي السحنات في المنتخب الواحد. اللاعبون السمر في الفرق الاوروبية كانوا في مونديال فرنسا اكثر عددا من مونديالات القرن السابقة. لولا ثراء التعليق الرياضي عبر الاقنية الفضائية لامثال بعض المشاهدين ــ وهم محقون ــ ما اذا كان الفريق البرتقالي المعروف باللعب الشامل جاء من النصف الجنوبي للكرة الارضية ام أن هولندا أصبحت وراء خط الاستواء. باريس يسكنها الفرح حتى آخر اوصالها انتشاء بالفوز الاستثنائي وريودي جانيرو تعلن الحداد. البرازيليون لم يعودوا ملوك كرة القدم. مونديال فرنسا هو المونديال الاخير في حياة زاجالو في كل الاحوال. لكن البون شاسع بين ان يموت الرجل واقفا وان تشيعه اللعنات على الصعيد الوطني. البروفيسور العجوز سيتعرض حتما للرجم العلني في كل ميادين البرازيل. المنتخب الذي قاده زاجالو الى فرنسا لم يحذق مهارة رقص السامبا. الخبرة التاريخية لم تعد العنصر الحاسم في كرة القدم. ثمة قوى فتية اكثر شبابا تنتمي لاقطار بالغة الحداثة برزت في مونديال فرنسا معلنة اعادة صياغة المعدلات التقليدية في عالم الرياضة. كرواتيا الانموذج الأكثر حضوا وروعة في تقييم كتيبة مقاتلة باسم الوطن. كرواتيا التي خرجت للتو من رحم التداعيات الاقليمية في شرق أوروبا تمكنت من احتكار مكانة في دائرة الحدث العالمي مقابل القوى التقليدية التي خرجت من فرنسا مثقلة بالخيبة, خرجت كرواتيا مزينة بالميدالية البرونزية وقدر كبير من الاحترام. الكثافة السكانية أصبحت أكذوبة في منطق المنافسة ومعادلات الانجاز عشية القرن الجديد. تلك واحدة من أبرز الخلاصات التي صاغها مونديال فرنسا. كرواتيا الفتية تظل عالقة في ذاكرة القرن العشرين وكذلك تبقى من مونديال فرنسا صورة اللاعب الانجليزي مايكل أوين والبرازيلي دينلسون فكلاهما لم يبلغا سن العشرين. التوقد والشباب هما سر المونديالات في القرن الحادي والعشرين. باريس احتفت بختام المونديال أكثر من احتفالها بانطلاقته. المونديال الفرنسي كرس أكثر من سابقاته في القرن الذي يقترب من نهايته الرياضة قناة للسياسة قادرة ومقتدرة لتفعيل التفاهم بين الشعوب. عدد القادة الذين توافدوا على باريس ايام المهرجان كان لافتا وربما استثنائيا. مباراة امريكا وإيران شكلت لقاء دبلوماسيا أكثر من كونه منازلة رياضية. المراقبون اعتبروها منعطفا يقاس على نسقه في منهج التطبيع بين دولتين ظلت علاقتهما موتورة طوال عقدين من السنين. بعد فوز فرنسا بكأس العالم اتسعت رقعة شعبية جاك شيراك داخل بلاده. الرئيس الفرنسي حرص على التواجد في أكثر من مباراة داخل الميدان. جمهورية شيراك حققت الانجاز الأول على صعيد اللعبة الشعبية الأولى في العالم. فرنسا كانت حاضرة في الملاعب في اناقتها المألوفة. صافرة الحكم الاخيرة في المونديال اطلقت للفرنسيين عنان التحرر من اطارهم التقليدي فخرجت باريس الى الشارع احتفالات بالكأس الذي يزيد ارث فرنسا الحضاري ويضيف الى ثقلها السياسي.