وصلت امريكا وروسيا الى مفترق طرق امس بشأن توجيه ضربه عسكرية للعراق, غداة تحذير جديد وجهه الرئيس الامريكي بيل كلينتون للعراق , عززته وزارة الدفاع بتسريب تقارير عن احتمال ارسال تعزيزات جديدة الى القوات الامريكية المحتشدة بالخليج والتي تلقت تعليمات مفصلة عن الضربة المزمعة. ومع اتساع المعارضة الدولية لضرب العراق بانضمام تركيا وماليزيا الى قائمة المعارضين وتجديد مصر لموقفها الرافض للضربة, اعلنت روسيا انها (تعارض بقوة) اي ضربة معتبرة انها ستزيد الامور سوءا في (العالم بأسره) ووسط هذه الاجواء, قالت تقارير ان اسرائيل وجهت انذارا الى العراق بأنها ستضرب بغداد بقنبلة نووية, فيما نظمت السلطات العراقية زيارة لدبلوماسين عرب واجانب الى (مواقع رئاسية) , واعلنت ان بغداد لن تستخدم اسلحة دمار شامل ولا تملكها. فقد خرجت وزيرة الخارجية الامريكية مادلين اولبرايت من اجتماع صاخب دام اكثر من ساعتين مع نظيرها الروسي يفجيني بريماكوف وسط علامات على تباعد المواقف اكثر فاكثر بين بلديهما بشأن العراق. وقالت اولبرايت بعد الاجتماع الذي عقد في مطار مدريد ان واشنطن استنفدت جميع الخيارات الدبلوماسية وان الوقت حان لاتخاذ (قرارات اساسية) حيال العراق. لكن بريماكوف الذي كان يتحدث ببطء باللغة الروسية والذي شدد على ان الوضع على (درجة من الخطورة) قال ان بلاده ستواصل مساعيها من اجل حل سلمي للازمة. وقالت اولبرايت انه لا توجد ادلة على ان مساعي روسيا للحل السلمي تحرز نتائج وانها تؤخر ساعة الحسم, بيد ان بريماكوف رد عليها بالقول: (ان هذه مجرد بداية وان روسيا ستواصل جهودها) . وكان الاتفاق الوحيد الذي توصل اليه الوزيران هو توجيه (رسالة قوية) الى الرئيس العراقي صدام حسين ليتخلى عن اسلحة الدمار الشامل واحترام قرارات الامم المتحدة. وسعت واشنطن لتصوير ذلك بأنه (انتصار) قائلة ان بريماكوف لم يعرب علنا عن معارضة صريحة لاستخدام القوة بل اكتفى بالاشارة الى (تفضيل) الحل الدبلوماسي. لكن الرد جاء سريعا من دافوس وقال رئيس الوزراء الروسي فيكتور تشيرنوميردين ان روسيا (تعارض بقوة) توجيه الغرب ضربات جوية للعراق وسط الازمة بشأن عمل فرق التفتيش الدولية في العراق. وقال للصحفيين (اعارض بقوة اي استخدام للقوة او ضربات جوية. لا بد وان نفعل كل شيء للتوصل لحل سياسي, القصف سيزيد الامور سوءا ليس فقط في الشرق الاوسط وانما في العالم بأسره) . واضاف يقول (لابد من ان نستخدم كل السبل المتاحة والمفاوضات) . وعلى صعيد متصل, قال متحدث باسم وزارة الخارجية الفرنسية امس ان جميع الدول الاعضاء في مجلس الامن التابع للامم المتحدة لا تزال تحاول التوصل الى حل دبلوماسي للازمة مع العراق وكان المتحدث يرد على سؤال ان كانت خلافات ظهرت بين فرنسا والولايات المتحدة بشأن العراق اثناء المحادثات التي جرت في باريس امس الاول بين اولبرايت ونظيرها الفرنسي هوبير فيدرين. واعتبرت العديد من الصحف الامريكية ان فرنسا اقتربت كثيرا من المواقف الامريكية بشأن العراق, مستندين في ذلك الى ما صرح به وزير الخارجية الفرنسي من ان (جميع الخيارات مازالت مفتوحة) . واعتبرت الواشنطن بوست ان فرنسا (انضمت بحزم غير متوقع الى التهديدات الامريكية للعراق) . لكن مسؤولا فرنسيا كبيرا ابدى المزيد من الحكمة اذ قال لصحيفة (واشنطن بوست) انه (اذا تم توجيه ضربة عسكرية فاننا نكون قد سقطنا في الفخ الذي ينصبه لنا صدام حسين. انه مستعد لتلقي مثل هذه الضربة وسيجمع بذلك الشعب (العراقي) حوله وكذلك الرأي العام العربي وسيقول: لقد انتهى الامر الان) ويضع حدا لعمل مفتشي اللجنة الدولية الخاصة. وفي هذه الاثناء نأت تركيا بنفسها عن تأييد أي عملية ضد العراق, قائلة على لسان نائب رئيس وزرائها بولنت اجاويد انها تستبعد استخدام قاعدة انجيرليك التركية الأمريكية في توجيه أي عمل عسكري أمريكي ضد العراق. وقال اجاويد فى بيان له إنه (لا ينبغي توقع أي مساهمة من قبل تركيا في عملية عسكرية في منطقتنا (ضد العراق) لا توافق عليها تركيا) . وتابع ان (شن عملية عسكرية ضد العراق قبل استطلاع واستنفاد كل السبل الدبلوماسية قد تنجم عنه نتائج خطيرة جدا لكل المنطقة وخصوصا تركيا) . وأصدر أجاويد هذا البيان بعد أن التقى رئيس الوزراء التركي مسعود يلماظ. وهو أول موقف بهذا الوضوح للحكومة التركية من أي عمل عسكري يحتمل ان تقوم به الولايات المتحدة ضد العراق منذ تدهور الأزمة القائمة بين بغداد والأمم المتحدة بشأن تفتيش المواقع الرئاسية العراقية. واضاف اجاويد ان (الادارة الامريكية لا تتجاهل تشجيع الحوار والمبادرات الدبلوماسية فحسب وانما تشعر بالانزعاج من المبادرات الدبلوماسية للدول دائمة العضوية فى مجلس الامن الدولي مثل فرنسا والصين كما تنتقد روسيا العضو الدائم ايضا في مجلس الامن) . وكان اجاويد قد اشار قبل ذلك بساعات الى وجود (خطر كبير بنشوب حرب) بين الولايات المتحدة والعراق. وقال امام مجموعة من الصحافيين ان (الولايات المتحدة تبدو عازمة على شن عملية ضد العراق) . مصر كررت من جهتها معارضتها لضرب العراق, اذ قال سفيرها في اسرائيل محمد بسيوني ان القاهرة ضد أي عمل عسكري ضد العراق وانها مع تنفيذ قرارات مجلس الامن. وعلى غرار مصر, كررت ايران موقفها المعارض, حيث اعلنت انها (لا يمكن ان تقبل) توجيه ضربة جوية امريكية الى العراق معتبرة ان هذا الامر قد يزيد الوضع في المنطقة تعقيدا. وقال المسؤول عن السلطة القضائية الايرانية محمد يزدي ان (ايران لا يمكن ان تقر هجوما امريكيا على العراق ايا كان مبرره. انه الحل السيء والبشع الذي دائما ما يلجأ اليه الامريكيون) . وحذر في خطبة صلاة الجمعة في جامعة طهران من ان (ذلك قد يؤدي الى حرب جديدة في الشرق الاوسط واثارة الالاف من المشاكل الاخرى) . في كوالالمبور قال رئيس الوزراء الماليزي مهاتير محمد ان الازمة العراقية يجب ان تحل عبر الوسائل الدبلوماسية وليس بواسطة القوة العسكرية وذلك لتجنب قتل الابرياء. لكن الولايات المتحدة صمت اذانها عن هذه المعارضة المتنامية, حيث وجه الرئيس الامريكي بيل كلينتون تحذيرا ثانيا الى العراق بان الولايات المتحدة مصممة على منع رئيسه صدام حسين من استخدام اسلحة الدمار الشامل. وهذا التحذير, وهو الثاني في أقل من 48 ساعة, جاء شبيها بذاك الذي وجهه كلينتون الثلاثاء الى الرئيس العراقي في خطابه حول حال الاتحاد. وقال كلينتون إن الولايات المتحدة مصممة على أن ينفذ العراق كل قرارات الامم المتحدة وانها ستضمن حتى بعد ذلك حرمانه من القدرة على استعمال أسلحة الدمار الشامل. وقال كلينتون إن للولايات المتحدة (مصالح حيوية في استقرار منطقة الخليج التي تحتوى على ثلثي مصادر العالم من الطاقة) وأن أمريكا مصممة على أن تحافظ على السلام فيها. وأضاف كلينتون إن أمريكا لجأت لهذا إلى حرمان العراق من "البلايين" من الدولارات من إيرادات النفط التي كان يمكن للعراق أن يستغلها في إعادة تسليح نفسه كما لجأت للضربات العسكرية ولتضييق (قميص المجانين) الذي أحاطته به باعلانها مناطق يمنع الطيران العراقي فيها في شمال وجنوب العراق. وجاءت تصريحات كلينتون فيما استمرت الولايات المتحدة في استعداداتها لشن ضربة عسكرية ضد العراق. وقال متحدث باسم وزارة الدفاع الامريكية إن لدى الولايات المتحدة الان 325 طائرة حربية في منطقة الخليج. وذكرت مصادر فى الوزارة ان الولايات المتحدة تدرس امكانية ارسال حوالى الفين من القوات الامريكية الى فرقتها الصغيرة التى تجرى تدريبات فى الكويت بمنطقة الخليج. وذكرت شبكة (سي ان ان) الاخبارية الامريكية امس انه لم يتم اتخاذ قرار بهذا الشأن حتى الان والذي يعني تحريك اربعة ألوية من الجنود الى الحدود مع العراق اذا لزم الامر. وفي تطور آخر قالت صحيفة يديعوت أحرونوت استنادا إلى مصادر لم يكشف عن هويتها أن القوات الامريكية في الخليج تلقت تعليمات مفصلة عن الضربة العسكرية. وقد تم إبلاغ تلك القوات بانتظار أوامر رئاسية وبعد ذلك القيام بمهاجمة أماكن التخزين السرية والمصانع والمواقع الرئاسية حيث تشتبه فرق التفتيش التابعة للامم المتحدة أن العراق يقوم بتصنيع أسلحة الدمار الشامل فيها. وقالت الصحيفة أن الاردن قد أعلن حالة التأهب بين صفوف الجيش على الحدود مع العراق. ومع تصاعد قعقعة الاسلحة كشفت صحيفة (التايمز) البريطانية النقاب عن ان مسؤولين اسرائيليين وجهوا انذارا الى الرئيس العراقى ألمحوا فيه الى أن اسرائيل قد ترد بأسلحة نووية على أي عدوان عراقي بأسلحة كيميائية أو بيولوجية. ونقلت الصحيفة في عددها الاخير عن مصادر أمنية غربية قولها انه من المرجح أن ترد اسرائيل على مثل ذلك العدوان بالقاء قنبلة نيوترون على بغداد مما قد يؤدي الى القضاء على كل شيء حي في اطار دائرة محددة. لكن العراق قال انه لن يستخدم اسلحة الدمار الشامل لانه لا يملك منها شيئا. وقال وزير الاعلام العراقي همام عبدالخالق ان العراق لن يستخدم اسلحة الدمار الشامل لسبب بسيط هو انه لا يملك ايا من هذه الاسلحة وهو امر يعرفه الرئيس الامريكي قبل غيره. ونظم العراق امس زيارة لدبلوماسيين عرب واجانب الى مواقع رئاسية. وذكر مصدر في وزارة الخارجية العراقية ان (دبلوماسيين معتمدين في بغداد توجهوا امس الى مدينة تكريت (170 كيلومترا شمال بغداد) لزيارة المواقع الرئاسية برفقة وزيري الخارجية والنفط محمد سعيد الصحاف وعامر محمد رشيد. وطلب العراق ايضا من موظفي الامم المتحدة مغادرة مقارهم الرئيسية والاقامة في فنادق بغداد بعد التهديدات الامريكية بمهاجمته. واضاف ناطق دولي ان هذا التدبير يطال (بضع عشرات) من موظفي وكالات الامم المتحدة التي تشرف على اتفاق (النفط مقابل الغذاء) والذين يقيمون في منازل خاصة. ــ الوكالات