ضرب العراق وشبهات مونيكا جيت:بقلم: جيم هوجلاند - البيان

ضرب العراق وشبهات مونيكا جيت:بقلم: جيم هوجلاند

أمطرنا البيت الأبيض بوابل من التهديدات بأنه سيوجه ضربة عسكرية للعراق منتصف فبراير في محاولة لحمل صدام حسين على الاذعان والسماح للجنة الامم المتحدة للتفتيش عن الاسلحة بأداء عملها بحرية تامة وبلا شروط, الا ان صدام يعول كثيرا على الضربة الجديدة التي تزمع الولايات المتحدة تسديدها للعراق ليتسنى له تشديد قبضته داخليا وخارجيا, لذا فليس من المتوقع تراجعه في الظروف الحالية. وينبغي على الادارة الامريكية تنفيذ وعيدها المدوي الذي تردد الصحافة صداه ويتداول النقاش حوله زعماء الكونجرس في اجتماعاتهم. غير ان قصف العراق غير كاف بحد ذاته إذ ان على كلينتون في التحليل النهائي أن يرسي معالم استراتيجية سياسية يعزز بها آثار الفعل العسكري, ان هو أراد اجهاض استراتيجية صدام القائمة على استغلال قوة الولايات المتحدة ورد كيدها الى نحرها. لقد أوصلت مناورات كلينتون السياسية الخارجية الامريكية الى وضع مزر ووضعت الرئيس في موقف لا يحسد عليه, اذ ان كلينتون باستهانته بالمسألة العراقية, وغضه من شأن حشد المعارضة السياسية لصدام قد أهدر خمس سنوات وهو يتحاشى القيام بعمل عسكري قوي ضد النظام العراقي, علما بأن مثل ذلك العمل قد اضحى من الضرورات الماسة واستكمل كل مبرراته. وها هو كلينتون وقد حبس انفاسه في قمم حملة عسكرية لردع العراق ومعاقبته في مرحلة من احرج مراحل رئاسته وأخطرها على سيرته. لقد ألجأه التردد والاغراق في الحسابات وتوخي اساليب احترازية مبالغ فيها الى ركن ضعيف يوجه منه ضربته, مهدرا فرصة ثمينة لتسديد مثل تلك الضربة وهو في موقع القوة قبل أشهر قليلة. لقد فاق سؤ طالعه حدود كل المفارقات التاريخية وسؤ التوقيت. لقد جاءت هذه الثمار المرة نتيجة الاحجام عن المبادرة بعمل ما أو الاقدام على عمل في التوقيت الخاطىء, وكلها تصرفات كانت تشي ومنذ عهد بعيد بأن الرئيس ومعظم مستشاريه لم يضعوا العراق في موقعه الملائم (سواء) من حيث مدى اهميته بالنسبة للاستراتيجية الامريكية أو لتركه كلينتون ومجده السياسي. وها هم يجابهون موقفا عصيبا مباغتا, وقد اضطروا لتفسير التحول المفاجىء, وكيف ان العراق قد اضحى ذا أهمية بالغة بالنسبة لهم. لقد عرى كلينتون نفسه امام سهام من يتهمونه بأنه يبتغي من تحركاته الاخيرة صرف انتباه بلاده والعالم عن الفضيحة الاخلاقية التي الصقت به, بان يجر بلاده لحرب لا داعي لها. وحتى لو كان ما يقال له من التهم باطلا, فان زوبعة تلطيخ السمعة هذه ستزيد من المصاعب امام قيام الولايات المتحدة بحملة قصف فعال طويل الامد للعراق, متحصنة بتأييد دولي ومحلي لا يزعزعه الانقسام في وجهات النظر. ويبدو ان صدام يشعر على الارجح بان من شأن حملة القصف هذه ان تشق بنهاية المطاف صف التحالف الذي مني بالهزيمة على يديه عام 1991, مما سيضع الفرنسيين والروس وبعض حلفاء امريكا من العرب في مواجهة مكشوفة مع اهداف الولايات المتحدة ووجودها العسكري برمته في الشرق الاوسط. وسوف يزيح اتجاه الامور لهذه الخاتمة عن كاهل الزعيم العراقي العبء المتمثل في نشاط التفتيش عن أسلحة الدمار الشامل, ويتيح له برهة من الوقت لتطوير ترسانته من الاسلحة والاستفادة من الخبرة لجعلها بمنجاة من الدمار من الغارات مستقبلا. كما ان الجو اللاهب الذي سوف تشعله الضربات العسكرية, التي لن تؤدي الى سقوط صدام, سوف يحرم الولايات المتحدة على الارجح من خلق المناخ المواتي لها في مجلس الامن لتشديد العقوبات الاقتصادية ضد العراق. ولقد بدأ مساعدو كلينتون يدركون مدى ما يؤمله صدام من مكاسب من جراء المعاناة الكبرى الماثلة للعيان والتي يكابدها الشعب العراقي تحت وطأة حمم قنابل الولايات المتحدة, ومن مناشدة العراق لضمير العالم لمد يد العون لهذا الشعب المنكوب, غير ان التصدي لهذه الاساليب أصعب بكثير من وعيها وادراك مراميها. ويعكف المخططون الاستراتيجيون حاليا على استعراض جملة من خيارات حملات القصف التي صممت لتدمير أهم مواقع الاسلحة الكيماوية والجرثومية لدى النظام العراقي والاجهاز على المخابىء التي اخفيت تلك الاسلحة فيها. كما ستركز الضربات الامريكية ايضا على الوحدات الخاصة للحرس الجمهوري التي تقوم بحماية واخفاء هذه الاسلحة, وتشكل نواة نظام الامن الشخصي لصدام. الا ان العراقيين الذين شرعوا بوضع العراقيل امام مفتشي الامم المتحدة على الاسلحة منذ الصيف الماضي, كان لديهم متسع من الوقت امتد لشهور وهم يسعون لبعثرة الاسلحة الجرثومية والكيماوية التي يسهل كشفها وتفريقها على مخابىء خفية. وليس من المحتمل ان تتمكن حملات القصف من اسقاط صدام او تدمير ما خبأه في الاقبية والسراديب. علاوة على هذا, فان صدام يواصل تحركه نحو تعزيز موقعه وموقفه السياسي في منطقة شمال العراق, التي أسلمها كلينتون لقبضة بغداد بشكل فعال في سبتمبر من عا م 1997. وكان رئيس الشرطة السرية العراقية رفيع دهام التكريتي قد سافر الى شمال العراق يوم 19 يناير للالتقاء بزعيمي أهم فصيلين كرديين تعاونا في يوم من الايام مع جهود الولايات المتحدة لازاحة صدام. ووافق الزعماء الاكراد على لقاء قريب يجمعهم بصدام في بغداد لحل مشاكلهم, والوقوف في وجه خطط الولايات المتحدة المناهضة له. واخفاق كلينتون في ايلاء قضية العراق ما تستحقه في جدول اولوياته اقنع الكثير من اعداء صدام الحقيقيين او المحتملين بأن واشنطن غير جادة بما فيه الكفاية في مساعدتهم على الخلاص منه. ومن شأن جولة جديدة من الضربات العسكرية التي توقع الدمار بالعراق من غير ان تمس صدام بسؤ ان ترسخ هذه النظرة. ينبغي على الرئيس كلينتون ان يرسم لنفسه ولبلاده وللعالم تصورا واضحا يضع في حسبانه التغييرات السياسية التي يعتقد ان تؤدي اليها الضربات العسكرية, وعندها فقط سيكون في وسع كلينتون احباط محاولات صدام والاخرين تصوير الحملة العسكرية الجديدة ضد العراق على انها عنف عبثي لا طائل من ورائه ولا يرمي الا الى اغراض سياسية. كبير كتاب الواشنطن بوست *

طباعة Email
تعليقات

تعليقات