تغييرات هيكلية مثالية في الأنظمة الماليةللدول النامية

  • الصورة :
  • الصورة :
صورة

قد يكون من الصعب في الدول النامية إقناع الناس بأن التمويل ليس كلمة سيئة وأن النظام المالي ليس بالضرورة آلية منحرفة تخدم الأثرياء فقط وترسل الثروة الوطنية للخارج. إن الأسئلة الجوهرية تتعلق بنوعية النظام المالي الذي نريده وما الذي يمكن عمله لتحقيق ذلك.

إن الأنظمة المالية الأكثر شمولاً ويمكن الوصول إليها بشكل أكبر تزيد من النمو الاقتصادي وتقلل من الفقر وانعدام المساواة وتعزز الاندماج الاجتماعي وبالإضافة إلى ذلك يمكن أن تلعب الحكومات دوراً حيوياً في المساعدة في تحقيق أهداف التنمية تلك من خلال التنفيذ النشط لسياسات الشمول المالي.

إن عدم تناسق المعلومات والنقص في المعلومات المتوفرة لدى المؤسسات المالية عن الزبائن المحتملين واحتياجاتهم هي أمور ساهمت ولفترة طويلة في إقصاء قطاعات كبيرة من الناس في الدول النامية من النظام المالي، ولكن السياسات التي تتصدى لإخفاقات السوق تلك سوف تؤدي على المدى الطويل لتداعيات اقتصادية إيجابية وتحسن الاستقرار المالي.

أما اليوم فإن شركات التقنية المالية تستخدم الأدوات الرقمية لتطويع الخدمات المالية لجعلها تتوافق مع احتياجات الأفراد والشركات الصغيرة والذين عادة ما يتم إقصاؤهم من النظام المالي. إن بإمكان التقنيات الجديدة عمل التقييم الائتماني باستخدام البيانات البديلة مما يعني توسيع حرية الوصول للقروض وغيرها من المنتجات المالية، بالإضافة لعمل ميزانيات عمومية للشركات الصغيرة خلال فترة لا تتجاوز 40 دقيقة، لتسهيل حصولهم على القروض الصغيرة وتمكين أنظمة الدفع المصغر من التعامل مع نفقات كبيرة ومحددة.

ربما مؤسسات تمويل المشاريع الصغيرة والجمعيات هي الأنسب لقيادة جهود الشمول المالي وذلك لأنها لديها بالفعل الخبرة في العمل مع الناس الذين تم إقصاؤهم. مؤكد أنه يتوجب على الحكومات دعم استخدام التقنية المالية ومؤسسات تمويل المشاريع الصغيرة بسياسات تشجع على تطوير الخدمات المالية الأقل ربحية والتي تؤكد على الأهداف الاجتماعية. يتوجب على صناع السياسات كذلك استكشاف طرق لتحسين التوافق بين اللاعبين الجدد والخدمات المالية التقليدية على ضوء تلك الأهداف.

وعلى الرغم من ذلك فإن التقدم الذي أحرزته أوروغواي مؤخراً في زيادة الشمول المالي أثبت أهميته الكبيرة في مساعدة صناع السياسات على التصدي للأزمة الاقتصادية التي تسببت بها جائحة كوفيد-19، لكن كان الدعم المالي الذي تقدمه الدولة للمواطنين والأدوات اللازمة لتوفير السيولة للشركات من خلال النظام المالي أكثر فاعلية بكثير وذلك نتيجة لسياسة الحكومة السابقة (على الرغم من أن هذه المساعدة كانت صغيرة نسبياً من منظور الاختلافات ضمن البلد).

إلا أنه هناك حقيقة أن توسيع القدرة على الوصول للخدمات المالية لا يؤدي بالضرورة لتعزيز الشمول المالي، كما تظهر التجربة الأخيرة لأوروغواي وغيرها من دول أمريكا الجنوبية، فعلى الرغم من أنها زادت الشمول المالي في المنطقة فإن السياسة العامة لم تزل الأبعاد الأخرى طويلة الأمد للتهميش.

لقد تحول منحنى الشمول المالي للأعلى ولكنه لم يغير شكله فالمجموعات السكانية الأكثر تهميشاً ما تزال على حالها ومن الأهمية بمكان أن مثل تلك المجموعات يجب أن تتلقى المشورة والتعليم المالي التي تحتاجه من أجل استخدام الخدمات المالية عالية الجودة، وذلك نظراً لأن القرارات الخاطئة في مثل تلك الأمور يمكن أن تؤدي لنتائج وخيمة.

إن المسح المالي الأخير للأسر في أوروغواي الذي أجري سنة 2014 كشف عن فروقات في استخدام الخدمات المالية والوصول إليها بين المجموعات الاجتماعية. لقد أظهرت جراسيلا سانرومان وغيليرمو سانتوس من جامعة يونيفيرسيداد دي لا ريببليكا بعد دراسة بيانات المسح أن هناك احتمالية أكبر أن الأسر ذات الدخل الأعلى أن يكون لديها بطاقات ائتمان وحسابات مصرفية، كما وجدوا اختلافات تتعلق بالعرق وظروف العمل ونوع الجنس.

وعليه يتوجب على الحكومات توفير الدعم أو غيرها من الظروف المواتية من أجل تشجيع تنمية خدمات مالية أقل ربحية وبعائد اجتماعي أعلى، وفي الوقت نفسه يتوجب على المؤسسات المالية استخدام الأدوات الرقمية بشكل أكبر، وذلك من أجل الحصول على معرفة أعمق بالزبائن الحاليين والمحتملين، وذلك حتى تعرض عليهم منتجات تتوافق مع متطلباتهم.

إن التغيرات الهيكلية في الأنظمة المالية للدول النامية واللازمة لتعزيز الشمول الاجتماعي سوف تتطلب سياسات أكثر جرأة وأهداف أكثر طموحاً وحلولاً إبداعية. لو ساعدت تلك الإجراءات في التحقق من أن كل شخص بإمكانه الوصول للخدمات المالية والاستفادة منها، عندها قد لا تكون كلمة التمويل كلمة قذرة بعد ذلك.

* اقتصادي بالاتحاد المصرفي في أوروغواي.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات