فكرٌ «نازي» حرٌّ طليق

كان السابع من أكتوبر يوماً سعيداً بالنسبة للديمقراطيين. فقد أيدت محكمة الاستئناف اليونانية إدانات قادة الفجر الذهبي، الحزب الذي يجاهر بأنه نازي، والوحيد الذي فاز بمقاعد في جميع البرلمانات منذ أربعينيات القرن الماضي، بتهم القتل، والإيذاء الجسدي الجسيم، وتوجيه منظمة إجرامية. واحتفل حشد من 20000 أثيني خارج المحكمة. واستمر احتفالنا لمدة 40 ثانية بالضبط، قبل أن تفرقنا الشرطة بالغاز المسيّل للدموع. وبسبب الاختناق، حاولت أنا وزوجتي الانضمام إلى مئات آخرين يصارعون من أجل الهروب عبر شارع ضيق يؤدي إلى جبل ليكابيتوس الآمن، والذي كان على مقربة من المكان. وكان هناك عشرات من شرطة مكافحة الشغب.. وتوسلت إلى قائدها حتى يتوقف.

إن إدانة القادة النازيين اليونانيين هي انتصار حاسم ضد عودة التطرف اليميني إلى أوروبا. ولكن بينما كانوا ينقلون إلى السجن، كانت أفكارهم، وأخلاقهم، وكراهيتهم للديمقراطية البرلمانية ترتدي زي الشرطة، لتنشر الرعب في الشوارع.

وبعد أسبوع من الحادث، أجرى ضابط الشؤون الداخلية بالشرطة مقابلة معي كجزء من تحقيق بسبب شهادتي. ولم استطع التعرف على وجه شرطي مكافحة الشغب، لأنني لم استطع التنفس أو الرؤية بوضوح وقت وقوع الحادث. ولكنني أدركت شيئاً واحداً: نظرة اشمئزاز هادئة في عينيه - نظرة ذكّرتني بكابنياس، الذي كان ذات يوم محققاً مدرَباً في الشرطة السرية النازية.

لقد التقيت كابنياس في عام 1991. وألقيت أول نظرة عليه وهو يقف بجانب ماعزه، في مزرعة جنوب البيلوبونيز التي كان يتقاسمها مع زوجته، يايا جورجيا، التي كنت أزورها لأسباب عائلية. وعلى الرغم من أنني كنت أعرف سمعة كابنياس مسبقاً، إلا أنني لم أكن مستعداً للشراسة الهادئة التي استُقبلت بها في تلك الليلة.

وبعد أن تأقلمت مع غرفة النوم التي أعدتها جورجيا بحب، وتقاسمت الخبز والملح معهما، اعتذرت وتوجهت إلى البلدة المجاورة للقاء الأصدقاء المحليين. وفور عودتي إلى المزرعة، بعد منتصف الليل بفترة طويلة، سمعت شخير كابنياس على مسافة بعيدة، وصوت مجموعة من القطط المتحمسة. عندما كان كابنياس مراهقاً، كان مزارعاً «لا يمكن المساس به»، وكانت تربطه علاقة مع والد جورجيا. وأثناء الاحتلال النازي، عمل والد جورجيا كحلقة وصل بين المخابرات البريطانية وأنصار اليسار المحليين. ووقعت جورجيا الجميلة في الحب، وتزوجت سراً من أحد الثوار. وفي ظل حرب قاسية، رزق الزوجان اللذان تحديا كل شيء ليعيشا سعيدين بطفلين.

وفي هذه الأثناء، انضم كابنياس المراهق الوضيع، إلى الجانب الآخر: إذ التحق بصفوف وحدة شبه عسكرية قام بتجميعها الجستابو المحلي.وفي النهاية، وبعد أن قام كابنياس بالانتقال من القوات شبه العسكرية التي ينظمها الجستابو إلى قوات الدرك المحلية، أصبح الآن في وضع يمكنه من الانتقام من الطبقة العليا في عالمه الصغير شبه الإقطاعي. فاقترب من جورجيا، واقترح قائلاً: تزوجيني...

عندما التقيت كابنياس في عام 1991، كنت أعتقد أن شخصيات مثله كانت من الآثار التي ستختفي بصورة تدريجية. لقد كنت مخطئاً. إن الشعور بالهزيمة الدائمة واليأس والإذلال الواسع النطاق يخلق بيئة يستيقظ فيها الحمض النووي النازي النائم. فبمجرد تعرض المجتمع اليوناني لإهانات بالجملة، بعد إفلاس دولتنا في عام 2010، شغل جيل جديد من النازيين، بنظرة كابنياس في أعينهم، مقاعدهم في البرلمان. والآن، يقبع معظمهم في السجن بسبب جرائم بشعة. ولكن هذه النظرة لا تزال في أعين الكثيرين، وليسوا جميعاً ممن يرتدون الزي العسكري.

* وزير مالية اليونان الأسبق، وزعيم حزب جبهة العصيان الواقعي الأوروبي، وأستاذ الاقتصاد في جامعة أثينا.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات