الانتباه إلى فجوات الاقتصاد الرقمي

من المعروف منذ فترة طويلة أن انعدام التجانس بين المشترين والبائعين يؤدي إلى إضعاف أداء السوق. ولكن بفضل التكنولوجيا الرقمية والمجمعات الضخمة التي يمكن الوصول إليها بسهولة من البيانات التي تعمل على توليدها، بدأت هذه الفجوات المعلوماتية تتقلص، وبدأت أوجه التفاوت وانعدام التجانس تنحسر.

حتى وقت قريب، كان تكوين السوق مقيداً بحدود مادية وجغرافية. يتلخص شرط أساسي لتمكين تكوين السوق في قدرة المشترين والبائعين على العثور على بعضهم بعضاً، وقد أُنـجِـزَت هذه العملية تقليدياً في المساحات العامة مثل البازارات، أو أسواق الأوراق المالية، أو المتاجر. ثم بدأت الأمور تتغير مع ظهور eBay، النموذج الأصلي للعديد من الأسواق عبر الإنترنت. وعلى نحو مفاجئ، لم تعد الحدود الجغرافية تعمل كحواجز بين المشترين والبائعين.

ربما يكون بوسعنا أن نقول إن تحرير الأسواق من القيود الجغرافية كان له أعظم الأثر على قدرة السكان في الأماكن النائية على الوصول إلى الأسواق. ولأن المستهلكين يتمتعون بقدرة موسعة على الوصول إلى السلع والخدمات، يستطيع البائعون والمنتجون أن يتوسعوا بشكل كبير لتلبية الطلب المتزايد.

ولكن مع تطور الأسواق عبر الإنترنت، سرعان ما بات من الواضح أن الأمر يستلزم معالجة مشكلات إضافية تتعلق بالمعلومات حتى تعمل الأسواق بفعالية.

هذا هو على وجه التحديد النوع من عدم تجانس المعلومات الثنائية الذي يمنع تكوين السوق أو يحد من التداول في السوق في المقام الأول.

من جانب آخر، أصبحت تقييمات البائعين (والمشترين أحياناً) والمنتجات سِـمة شائعة الآن في الأسواق عبر الإنترنت، وتشير الدراسات إلى أن هذه التقييمات شديدة التأثير على قرارات المشترين. ولكن لكي تخدم هذه الوظيفة غرضها الصحيح، كانت المنصات في احتياج إلى تطوير أنظمة وتدابير حماية إضافية لمنع التلاعب بالتقييمات، ومنع المستخدمين المحظورين من العودة إلى الظهور تحت ألقاب جديدة. وبالتالي، بالإضافة إلى سد فجوات المعلومات، تعمل التقييمات أيضاً على خلق الحوافز للمشاركين في السوق للتصرف بشكل أفضل.

مع ظهور المزيد والمزيد من «الأشياء» في الأسواق عبر الإنترنت، بدأ المستخدمون يواجهون صعوبات في العثور على ما يبحثون عنه، لأنهم لم يكن بوسعهم التصفح عبر الخيارات بذات الطريقة التي يستخدمها المرء عند التسوق في المتجر الفعلي.

لمعالجة هذه المشكلة، طورت المنصات عبر الإنترنت خوارزميات البحث ومحركات التوصية التي لا تعتمد على تصفح المستخدمين فرادى وتاريخ المشتريات وحسب، بل وأيضاً على البيانات السلوكية من جميع المستخدمين الآخرين.

ثم طرأ المزيد من التحسن على هذه الخوارزميات بفضل التقدم في الذكاء الاصطناعي والزيادات في حجم وجودة البيانات. تشكل محركات البحث والتوصية حلاً جزئياً لمشكلة المضاهاة، وهي تعمل بالتالي كمصدر رئيسي لأداء الأسواق عبر الإنترنت. وهي تضيف القيمة لكل من المشترين والبائعين، وتعمل على تعزيز حجم المعاملات بشكل كبير، وخاصة لصالح البائعين والعلامات التجارية الأقل شهرة.

ولأنها متاحة على نطاق واسع والوصول إليها غير مكلف، فقد ساعدت المعلومات عبر الإنترنت فضلاً عن ذلك في التقليل من عدم تجانس المعلومات خارج نطاق التجارة الإلكترونية. على سبيل المثال، طرأت تحولات أيضاً على أسواق السيارات، والرعاية الصحية، والتأمين، حتى في العالم غير المتصل بالإنترنت، مما يجعل المستهلكين أفضل اطلاعاً وأكثر تمكيناً في التعامل مع البائعين.

يتعلق تحد معلوماتي أخير بالقدرة على الوصول، وتحديداً منح المستهلكين هويات يمكن الوصول إليها عبر الإنترنت وسجلات إنجاز تشير إلى جاذبيتهم كأطراف مقابلة في مجموعة متنوعة من سياقات السوق.

يُـعَـد الائتمان مثالاً جيداً هنا. في العالم غير المتصل بالإنترنت، لكل شخص أو شركة سجل إنجاز وتاريخ مالي يمكن استخدامهما افتراضياً لدعم أسواق الائتمان أو التأمين.

تكمن المشكلة في أن هذه السجلات غير المتصلة بالإنترنت تميل إلى أن تكون مبعثرة ولا يمكن الوصول إليها، في حين أنها في الاقتصاد الرقمي ــ وخاصة بعد الانتشار القوي للمدفوعات عبر الأجهزة المحمولة والتجارة الإلكترونية ــ أصبح من السهل استرجاعها وأصبحت مفيدة بدرجة أكبر كثيراً. والبيانات، مثلها في ذلك كمثل المعرفة، ليست تنافسية فاستخدامها لا يقلل من قيمتها للمزيد من الاستخدام أو استخدامها من قِـبَـل أطراف متعددة.

كما يمكن استخدام خوارزميات الذكاء الاصطناعي لتقييم وتسعير الائتمان للأفراد والشركات بدون ضمانات وقليل من الاتصال المسبق مع الاقتصاد التقليدي غير الرقمي والقطاعات المالية. وكما هي الحال في أنظمة التقييم القائمة على المنصات، يجري تقليص الفجوات المعلوماتية وتحسين الحوافز، في حين يجري توسيع قدرة الأسر والشركات الصغيرة على الوصول إلى الأسواق.

باختصار، تطورت الأسواق الرقمية القائمة على البيانات من مجاهدة الفجوات المعلوماتية إلى الحصول على كثافة معلوماتية أعلى من نظيراتها غير المتصلة بالإنترنت، مما يترك عدداً أقل من الفجوات المعلوماتية وأوجه عدم الانسجام. وتسمح إمكانية الوصول إلى البيانات الرقمية بنشوء آليات فحص جديدة وسلوكيات معبرة لا وجود لها غالباً في العالم غير المتصل بالإنترنت.

بطبيعة الحال، لا تخلو مخازن البيانات التي يمكن الوصول إليها من مخاطر حقيقية وكثيراً ما أخضعت للمناقشة، ومن الأهمية بمكان معالجة هذه المخاطر من أجل تحقيق الكفاءات المحتملة وفوائد الشمولية المعروضة.

في نهاية المطاف، يجب أن تكون المؤسسات (بما في ذلك الحكومات) التي تجمع البيانات وتعمل كحراس للبوابات الرقمية محل ثقة أيضاً. كحد أدنى، يجب أن تكون خاضعة لضوابط تنظيمية قابلة للتنفيذ وأن تقدم تعريفات واضحة لحقوق الأفراد في ما يتصل بالشفافية، واستخدام البيانات، والخصوصية، والأمن. وهنا ربما يكون بوسعنا أن نقول إننا نحرز تقدماً، لكن الطريق لا تزال أمامنا طويلة.

* حائز جائزة نوبل في علوم الاقتصاد، وأستاذ الاقتصاد في كلية شتيرن لإدارة الأعمال في جامعة نيويورك، وكبير زملاء مؤسسة هوفر.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات