أمريكا ومعضلة التاريخ المشترك

قال هنري جيمس ذات يوم: «إذا فَـرَكـت أوروبا، ستجد التاريخ. وإذا فركت الولايات المتحدة فستجد الجغرافيا». يتجلى هذا الافتقار إلى الحس المشترك بالتاريخ في أمريكا بوضوح شديد اليوم في الاحتجاجات ضد العنصرية والمناقشات حول إزالة المعالم التذكارية الكونفيدرالية والأسماء التي تكرم القادة السياسيين العنصريين.

بالمقارنة بشعوب أخرى، يُـعَـد تاريخ الأمريكيين المشترك قصيراً للغاية. كانت دوافع أولئك الذين استعمروا ــ وهاجروا لاحقاً إلى ــ أمريكا الشمالية متنوعة، سواء كانت دينية، أو سياسية، أو اقتصادية. لكنهم في كل الأحوال تقريباً، كانوا يفرون من ماضيهم.

عندما وصلوا إلى العالم الجديد، لم يتعلق المستوطنون بتاريخ أو ثقافة الشعوب الأصلية. كان سكان أمريكا الأصليون بدواً، غير منظمين، ومعزولين، وكان اتصالهم ضئيلاً بالمستوطنين الإنجليز والهولنديين، الذين أسسوا مستعمراتهم على الأراضي التي استولوا عليها ثم كبسوا عملياً زر «إعادة تشغيل» تاريخهم.

لكن القصة أكثر تعقيداً في حقيقة الأمر. في أوائل القرن السابع عشر، عندما ظهر التبغ كمحصول يدر عوائد نقدية كبيرة في فرجينيا، اشترى المستوطنون العبيد من أفريقيا. وقد استؤصِـل تاريخ العبيد الأفريقي، لكن تجربتهم في العالم الجديد كانت مختلفة تمام الاختلاف عن تجربة مالكي العبيد.

هذا يعني أن الولايات المتحدة كانت عندما حققت الاستقلال في القرن الثامن عشر تفتقر إلى أساس مشترك. في إعادة صياغة لكلمات توكفيل نستطيع أن نقول إن الولايات المتحدة ولدت متأخرة، وبدون تاريخ في مستهل الأمر. الواقع أن الولايات المتحدة لم يكن لديها ذاكرة مشتركة تتحدث عنها حتى أواخر القرن التاسع عشر، بعد أن كتب جورج بانكروفت تاريخاً ــ من إحدى النواحي، كما لاحظت جيل ليبور، لتحويل أمة إلى دولة قومية.

لكن الولايات المتحدة ظلت تفتقر إلى بعض الركائز الأسطورية التي تقوم عليها الأمم: أصل مشترك، وماض مشترك، ومسار مشترك من الماضي إلى الحاضر.

يمتد هذا إلى أعلى مستويات صنع القرار ــ مع ما يترتب على ذلك من عواقب وخيمة. لنتأمل التورط في حرب فيتنام، وكذلك حرب أفغانستان.

من المؤكد أن الدول التي تتمتع بتاريخ أطول وحس أكثر تطوراً بالتاريخ وجدت ذاتها أيضاً غارقة في حروب بلا نهاية؛ ومن الأمثلة الواضحة هنا مغامرات فرنسا الكارثية في فيتنام والجزائر. ولكن في غياب عنصر التاريخ، يفتقد الأمريكيون شيئاً ما ــ ويبدو أنهم يشعرون بذلك. في بعض الأحيان اخترع الأمريكيون التاريخ الذي يفتقرون إليه، فحولوا الأفراد أو الأحداث إلى نُـصُـب تذكارية، واحتفالات، وذاكرة، وغالبا بعد فترة طويلة من حياة الأفراد أو وقوع الأحداث. فقد نصبت كل التماثيل تقريباً التي تكرم شخصيات كونفدرالية في مختلف مدن الجنوب الأمريكي -أكثر من 700- بعد إعادة الإعمار في أواخر خمسينيات القرن العشرين.

اليوم، بدأ الأمريكيون يدركون على نحو متزايد التناقضات التي تحملها القصص التي قيلت لهم ويسلطون الضوء عليها، وخاصة في ما يتعلق بالـعِـرق. وقد أصبح هذا وقوداً لاشتباكات اليوم السياسية، والإيديولوجية، والدينية، والـعِـرقية حول حقيقة -ومعنى- ماضي أمريكا.

تشمل المجادلات التاريخية الحالية بشكل رئيسي الحرب الأهلية والعبودية. لكنها تمتد إلى العديد من الوقائع الأخرى، بما في ذلك القضاء على مجتمعات الأمريكيين الأصليين، ومعسكرات احتجاز اليابانيين أثناء الحرب العالمية الثانية، وقانون إقصاء الصينيين.

تُـعَـد الكتب المدرسية واحدة من ساحات المعارك الحاسمة في هذه الحروب التاريخية. على سبيل المثال، في بعض المناطق التعليمية، جرى حظر كتب التاريخ المدرسية التي تؤكد أن الحرب الأهلية كانت في الأساس حرباً ضد العبودية ــ على وجه التحديد، الرغبة في الحفاظ على نظام اقتصادي يعتمد على العمل القسري. وتصر الكتب المدرسية التي تستخدمها هذه المناطق على أن الصراع كان يدور في حقيقة الأمر حول حقوق الولايات.

لهذا السبب، في عام 2018، نصحت مجموعات عمل من المعلمين والمؤرخين مجلس التعليم في ولاية تكساس بإزالة مصطلح «البطولية» من كتب الصف السابع. بعد مناقشة مطولة وعاطفية، تقرر الإبقاء على المصطلح.

رغم أن شيئاً لم يتغير في هذه الحالة، فعندما يستحق التاريخ أن نقاتل من أجله، يبدأ في التواجد. ومن الأهمية بمكان أن نعلم أن الكفاح يدور الآن في التيار الرئيسي لوسائل الإعلام والدوائر السياسية والثقافية الأمريكية، وليس على هامش الأوساط الأكاديمية، كما كانت الحال في الماضي. الآن يحدوني الأمل في أن ترقى مناقشات ومناظرات اليوم إلى ما هو أكثر من مجرد ألعاب نارية حزبية، وأن تبشر بدلاً من ذلك بقدوم التاريخ في السرد التاريخي الأمريكي.

* وزير خارجية المكسيك الأسبق، وهو أستاذ في جامعة نيويورك.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات