الجامعات الأوروبية المتراجعة عالمياً تحتاج مزيداً من التمويل

إن من التداعيات السلبية العديدة لبريكست أن إحدى القوى العظمى التعليمية على المسرح العالمي قد أصبحت منافساً من الدرجة الثانية ومع خروج المملكة المتحدة، خسر الاتحاد الأوروبي جامعات من الدرجة الأولى مثل كامبردج وأكسفورد وكلية لندن الجامعية وجامعة لندن الملكية «امبريال كوليدج» وجامعتي القديمة كلية لندن للاقتصاد.

إن الأسوأ من ذلك أن بريكست كشف حقيقة غير مريحة بالمرة لصانعي السياسات الأوروبيين، وهي أن الجامعات المتبقية في الاتحاد الأوروبي غير موجودة على قمة التصنيف العالمي، فطبقاً لتصنيف كيو إس للجامعات حول العالم لسنة 2020 فإن أفضل جامعة في الاتحاد الأوروبي تحتل المركز 50 في التصنيف (جامعة ديلفت التقنية) .

وفي التصنيف الأكاديمي لجامعات العالم فإن أفضل ممثل لجامعات الاتحاد الأوروبي كانت جامعة باريس الجنوبية، والتي احتلت المركز 37، وفي تصنيف التايمز للجامعات العالمية كانت جامعة ميونخ أفضل ممثل لجامعات الاتحاد الأوروبي.

حيث احتلت المركز 32، وعلى النقيض من ذلك فإن سويسرا والصين واليابان وبقية الاقتصادات المتقدمة في شرق آسيا لديها جميعاً جامعات قريبة من القمة في بعض أو جميع التصنيفات الرئيسية.

إن الرد الأكثر شيوعاً والذي عادة ما أحصل عليه من مسؤولي الاتحاد الأوروبي هو إنكار الحقيقة وعندما نواجههم بتلك الحقيقة فإن مسؤولي المفوضية الأوروبية يقولون وبكل بساطة «أنا لا أصدق تلك التصنيفات»، ومن ثم يشيدون بجامعات الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي وتميزها.

في واقع الأمر، فإن هناك جامعات أوروبية قوية تنتمي للفئة الوسطى العليا، علماً أن هولندا والسويد لديهما العديد من تلك الجامعات. إن الذي نحتاجه هو وجود مؤسسات ممتازة أي جامعات تستطيع اجتذاب أفضل الباحثين من جميع أرجاء العالم في أي مجال، وأن يُعرض على هؤلاء الباحثين راتب كبير وتمويل كاف للأبحاث. إن الحقيقة هي أنه مثل المجالات الأخرى التي تسعى للإنجاز فإن المواهب البحثية هي مواهب تتركز بشكل كبير في أماكن محددة، فالباحثون الجيدون يرغبون بالعمل مع باحثين جيدين آخرين والموهبة المنعزلة مكلفة.

بالإضافة إلى ذلك فإن أنظمة الجامعات القارية -وخاصة في ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا- تعوقها أنظمة إدارة قديمة وبيروقراطية وغالباً ما تكون داخلية وبدون تأثيرات خارجية. إن من الصعب الحصول على تمويل خارجي ومن الصعب إنفاقه كما من الصعب توظيف أفضل الباحثين ونتيجة لذلك فإنه في جميع تلك البلدان فإن أفضل الجامعات ما هي إلا شبح لماضيها المجيد.

إن عواقب تلك المشاكل واضحة للعيان فإنه بدون موارد كافية وإدارة جيدة، لن تستطيع جامعاتنا أن تلعب دوراً قيادياً في مجالات رئيسية مثل الذكاء الصناعي والتقنيات الحيوية وبدون جامعات بحثية رائدة فإن الاتحاد الأوروبي لن يستطيع المنافسة في السباق التقني العالمي، وعليه لم يكن من المفاجئ أن 8 من قائمة أفضل 15 جامعة بحثية في العالم من حيث الإيرادات هي جامعات أمريكية وهناك ثلاث جامعات يابانية بينما تتقاسم الصين وكوريا الجنوبية وتايوان الجامعات الأربع المتبقية. يجب أن يتنبه مسؤولو الاتحاد الأوروبي إلى خطورة غياب أوروبا عن ذلك التصنيف.

يحتاج الاتحاد الأوروبي من أجل التعامل مع هذا الموضوع إلى العمل لتأمين الحصول على التمويل وتحسين الإدارة. إن أفضل مصدر للتمويل حالياً هو مجلس الأبحاث الأوروبي، فهو يمول الباحثين المتميزين من الأفراد حسب الجدارة وبشفافية وبدون اعتبار للتوازن الجغرافي.

لقد كان هناك شعور بالصدمة وذلك عندما نصت اتفاقية المجلس الأوروبي لإطلاق صندوق التعافي على إجراء تخفيض كبير في الموارد، والتي كان مجلس الأبحاث الأوروبي موعوداً بها في السابق، علماً أن هذا المجلس هو الأداة الفعالة الوحيدة التي تمتلكها أوروبا من اجل رفع مستوى قطاع الأبحاث. إن هذا يعتبر استجابة غير مقبولة للوضع الحرج الذي يشهده قطاع الجامعات الأوروبية.

يوجد لدى أوروبا مصدر آخر للأموال المتوفرة وهو المعهد الأوروبي للابتكار والتقنية، والذي تصل ميزانيته طبقاً لميزانية الاتحاد الأوروبي الأخيرة لمبلغ 2.4 مليار يورو (2.8 مليار دولار أمريكي).

ربما لم تسمع بذلك المعهد من قبل وأنا أيضاً لم أسمع به حتى شهور قليلة مضت، وطبقاً للأسلوب الأوروبي التقليدي لم تستطع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي الاتفاق على مقر ذلك المعهد، وعلى الرغم من أنهم قرروا أن يكون مقره في بودابست، مما يعني أنه أصبح فعلياً بمثابة جامعة افتراضية.

لقد كان أيضاً فشلاً ذريعاً، ولكن هذا الفشل لم يدفع الاتحاد الأوروبي لإعادة التفكير في المعهد الأوروبي للابتكار والتقنية. إن البرلمان الأوروبي يراجع جوانب محددة منه، ولكن هذا التقرير لن يظهر الحقائق. لو تم استخدام الأموال بالشكل الصحيح فإن تلك الأموال التي يتم إهدارها حالياً على المعهد الأوروبي للابتكار والتقنية يمكن أن تشكل أساساً لمعهد حقيقي يمكنه أن يلعب دوراً ريادياً.

لكن الموضوع لا يتعلق بالتمويل فحسب، فجميع الجامعات القارية الأوروبية لديها نفس أنظمة الإدارة القديمة، والتي تمنعها من اتخاذ قرارات حاسمة مثل مخصصات الميزانية واختيارات التوظيف بشكل مستقل ومن أجل تحقيق النتائج، وكما أظهر فيليبي آغيون وغيره من الباحثين فإن افتقاد الجامعات الأوروبية التنافس والاستقلالية يؤثر سلباً على أدائها.

يتوجب على الاتحاد الأوروبي إطلاق مشروع للإدارة الجيدة لنشر أفضل الممارسات مثل آليات المساءلة الفعالة والمنح التي تعطى على أساس الجدارة والمزيد من التنافس لطلاب الجامعات وأساتذتهم.

وكجزء من مشروع الإدارة الجيدة فإن الموارد التي يتم إنفاقها حالياً على المعهد الأوروبي للابتكار والتقنية يمكن استخدامها لإنشاء صندوق جديد لمكافأة أفضل الجامعات والدوائر الأوروبية فيما يتعلق بالأبحاث والتعليم. إن هذا الإطار الجديد يهدف لخلق حوافز للمؤسسات من أجل السعي للتميز وتطويع ممارساتها الإدارية من أجل التأقلم مع نظام تمويل قائم على أساس تحقيق الأهداف.

إن من المحزن أن أياً مما ذكر لا يشكل أولوية لمؤسسات الاتحاد الأوروبي. لقد اقترح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إنشاء جامعة أوروبية في خطابه الذي ألقاه في السوربون سنة 2017، ولكن كما حصل مع أفكار جيدة عديدة في ذلك الخطاب، لم تفعل أوروبا أي شيء يذكر لتحقيقها.

عندما تتوفر لأوروبا الإرادة، فإن بإمكانها وبشكل فعال تنفيذ مبادرات أبحاث مشتركة فعالة بحق، مثل مركز الأبحاث الأوروبي، وهي مبادرات تدمج الرؤى البحثية ضمن أداء الجامعة.

ولو أردنا أن نلعب دوراً قيادياً عالمياً في مجال التقنية كما تجادل وثيقة مقترحات المفوضية الأخيرة عن الذكاء الصناعي، يتوجب أن نترجم كلامنا إلى أفعال من خلال التمويل والضغط من أجل تحقيق إصلاحات عميقة للتحقق من أن الجامعات الأوروبية موجودة في مكانها الطبيعي أي على القمة.

* لويس جاريكانو هو رئيس وفد المواطنين في البرلمان الأوروبي وهو نائب رئيس مجموعة التجديد والمنسق الاقتصادي لها.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات