محاربة الجائحة المعلوماتية

  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
صورة

لم يكن ظهور فيروس «سارس - كوفيد 2» سبباً في اندلاع جائحة مرض فيروس كورونا 2019 «كوفيد 19» العالمية وحسب، بل تسبب أيضاً في إشعال شرارة هجمة شرسة من المعلومات المضللة. فقد روّج بعض المضللين لعقاقير مثل هيدروكسي كلوروكوين كعلاجات للمرض، على الرغم من عدم كفاية الأدلة العلمية التي تؤكد على فاعليتها؛ وأعلن آخرون عن لقاح «كوفيد 19» قبل اختبار سلامته وفاعليته بدقة. من ناحية أخرى، تنتشر على نطاق واسع على وسائط التواصل الاجتماعي نظريات مؤامرة شاذة وبعيدة الاحتمال حول الجائحة.

تُـعَـرِّف منظمة الصحة العالمية «الجائحة المعلوماتية» على أنها «وفرة مفرطة من المعلومات ــ بعضها دقيق وبعضها الآخر غير دقيق ــ التي تجعل من الصعب على الناس العثور على مصادر جديرة بالثقة ويمكن التعويل عليها للإرشاد والتوجيه عندما يحتاجون إليها». واليوم، يهدد الحجم الهائل من المعلومات الخاطئة والمضللة حول «كوفيد 19» بتقويض الاستجابات القائمة على الأدلة للجائحة ــ ولا يجوز للعلماء أن يقفوا موقف المتفرج. على سبيل المثال، عقدت جمعية الإيدز الدولية مؤخراً أول مؤتمر دولي افتراضي حول الإيدز وأول مؤتمر قائم على الملخصات حول «كوفيد 19».

لكن البحث المهم الذي جرى تقديمه في هذه الاجتماعات مهدد بالضياع بالفعل وسط طوفان من المحتوى الذي يروّج له منكرو الـعِـلم وأصحاب نظريات المؤامرة الذين يتحدون صراحة الأساليب البحثية الراسخة. يتمثل أمر آخر أقل بروزاً، لكنه لا يقل انتشاراً وضرراً، في تحريف الحقائق على نحو أكثر براعة وحِذقاً، والدعاية، والمبالغة في ما يتعلق بـ«كوفيد 19». ولهذا، يحتاج العالم إلى العلماء للمساعدة في فصل الحقائق عن شبه الحقائق. بصفتنا باحثين دوليين في مجال فيروس نقص المناعة البشرية، فإننا نعرف ما هو على المحك.

على مدار أربعة عقود من الزمن، كان بوسعنا أن نعاين بشكل مباشر العواقب المميتة للمعلومات المضللة. لقد واجهنا منكري الإيدز والمتطرفين المناهضين للقاحات، وتصدينا لوصمة العار والأساطير التي لا تزال تمنع العديد من أولئك الأشد احتياجاً إلى الرعاية الصحية المنقذة للحياة من الوصول إليها. يُـذَكِّـرُنا كثيرون من أولئك الذين يتحدثون بصخب على موجات الأثير ويُـمـطِرون الإنترنت بوابل من الادعاءات الكاذبة حول «كوفيد 19» بنبرة الأحاديث حول وباء الإيدز في أيامه الأولى.

لم تكن أعظم انتصارات الباحثين في مجال الإيدز راجعة إلى الاختراقات العلمية وحدها، بل كانت نتيجة لتشكيل جبهة موحدة مع صناع السياسات والناشطين على مستوى القاعدة. ومنذ الأيام الأولى للاستجابة لفيروس نقص المناعة البشرية، ضغط النشطاء على الساسة لحملهم على إعطاء العلماء المزيد من الموارد لإجراء البحوث حول هذا الفيروس، ودعوا إلى تحسين القدرة على الوصول إلى العلاج.

تُـعَـد الاستجابة العالمية لـ«كوفيد 19» أحدث دليل على أننا أكثر قدرة على الصمود في وجه التهديدات الصحية عندما يحرص العلماء والساسة على تبادل المعلومات، ويتلقى الجمهور معلومات واضحة وشفافة. يتطلب ضمان مثل هذا التعاون أن ينبري العلماء إلى الدفاع عن سلامة العملية العلمية.

ربما يستغرق البحث العلمي بعض الوقت، ولكن لا يجوز لصناع السياسات أن يتلاعبوا بصحة الناس من خلال التحايل على العملية لتحقيق مكاسب سياسية. والآن، أكثر من أي وقت مضى، يتعين على زملائنا العلميين أن يضطلعوا بدور دفاعي مماثل في مواجهة الأكاذيب والأساطير، وأن يحرصوا على حماية سلامة العملية العلمية. على هذا، فإننا ندعو الحكومات إلى حماية استقلال المؤسسات العلمية الوطنية والمتعددة الأطراف.

ونحن نوجه الدعوة أيضاً إلى شركات وسائط التواصل الاجتماعي لاحتواء انتشار المعلومات المضللة. فلم يعد بوسع شركات التكنولوجيا العملاقة أن تتظاهر بكونها مجرد منصات لا تتحمل أي مسؤولية عن الرسائل التي تعمل على تضخيمها. كما ندعو المشرعين إلى تبني القوانين والسياسات المرتبطة بالصحة القائمة على الأدلة فقط.

الواقع أن العديد من القوانين لا تزال تجرم المرض بدلاً من وصمة العار وما يصاحبها من تمييز. إن احتواء الجائحة المعلوماتية المرتبطة بـ«كوفيد 19» يتطلب ليس تحري الحقائق وحسب، بل وأيضاً توفير الدعم المنسق والاستراتيجي، فالصمت قاتل في مواجهة المعلومات المضللة. ويتعين على جميع شرائح المجتمع أن تتحرك الآن لتبديد الأساطير وتضخيم صوت الـعِـلم. فحياتنا، وخاصة حياة أفقر الناس وأكثرهم تهميشاً، تعتمد على هذا.

* فرانسواز باري-سينوسي حائزة جائزة نوبل عام 2008 في علم وظائف الأعضاء في الطب، الرئيس السابق لجمعية الإيدز الدولية.

** أديبة قمر الزمان، عميدة كلية الطب وأستاذ الطب والأمراض المعدية في جامعة مالايا، رئيس جمعية الإيدز الدولية.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات