العودة إلى التعددية

سلطت جائحة مرض فيروس كورونا «كوفيد 19» الضوء على نقاط الضعف الحادة التي تعيب عالمنا شديد الترابط. لا تستطيع أية دولة، بصرف النظر عن حجمها أو ثرواتها أو تطورها التكنولوجي، أن تتصدى لهذه الأزمة بمفردها.

بسبب الجائحة، اجتمعت الجمعية العامة للأمم المتحدة في ظل ظروف استثنائية، بمشاركة رؤساء الدول عن طريق «الواقع الافتراضي» (عبر الإنترنت)، بدلاً من السفر إلى مدينة نيويورك. ويجب أن تخدم الطبيعة الفريدة لاجتماع هذا العام كتذكرة لنا بأن الطريقة الوحيدة للتغلب على تهديد الجائحة تتلخص في التعاون الدولي، والشفافية.

في عام 1945، كان كثيرون يأملون أن يكون العالم تعلم أخيراً من دروس حربين عالميتين كارثيتين. على حد تعبير ميثاق الأمم المتحدة، جرى إنشاء الهيئة «لإنقاذ الأجيال التالية من ويلات الحرب»، واتباع مسارات سلمية وشاملة نحو الازدهار العالمي والديمقراطية. لكن شبكة المعاهدات والمؤسسات التي أنشئت حول الأمم المتحدة منذ ذلك الحين كانت بعيدة عن الكمال. ومع ذلك، دعمت الأمم المتحدة بشكل حاسم مساعي تحقيق السلام، والأمن، وحقوق الإنسان، وتحسين الظروف الاقتصادية والاجتماعية في مختلف أنحاء العالم.

لتسليط الضوء على هذا التراث، أصدرت مؤخراً منظمة الحكماء - مجموعة من القادة العالميين المستقلين أسسها نيلسون مانديلا، التي أتشرف بشغل منصب نائب رئيسها ـ تقريراً حول الدفاع عن التعددية. في هذا التقرير، أصدرنا خمس دعوات للعمل موجهة إلى قادة اليوم:

• العودة إلى الالتزام بقيم ميثاق الأمم المتحدة.

• تمكين الأمم المتحدة من ممارسة تفويضها بالعمل الجماعي في ما يتصل بشؤون السلام والأمن.

• تعزيز الأنظمة الصحية للتصدي لجائحة «كوفيد 19» والاستعداد للجوائح المماثلة في المستقبل.

• إظهار قدر أكبر من الطموح بشأن تغير المناخ لتلبية أهداف اتفاقية باريس.

• حشد الدعم لجميع أهداف التنمية المستدامة. يتعين على جميع الدول أن تدرك أن الطريقة الوحيدة لتحقيق هذه الأهداف هي من خلال التعددية الفعّالة، التي تصب في مصلحة الجميع في نهاية المطاف. في كثير من الأحيان كان فشل الأمم المتحدة في تحقيق أهدافها المعلنة راجعاً إلى عدم وفاء الدول الأعضاء - وخاصة، ولكن ليس بشكل حصري، الدول الأعضاء الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن (الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، وفرنسا، وروسيا، والصين) - بمسؤولياتها.

عندما تضع الدول مصالحها الوطنية الضيقة فوق الأولويات المشتركة، يخسر الجميع. في يوليو الماضي، رحبت بكل تأكيد بتبني مجلس الأمن بالإجماع القرار رقم 2532، الذي دعا إلى وقف إطلاق النار على مستوى العالم لتجنب المزيد من الكوارث الإنسانية في سياق الجائحة. وقد دعمت بقوة أيضاً هذه المبادرة عندما اقترحها الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس لأول مرة في مارس.

ومع ذلك، خاب رجائي لرؤية كل هذه الأشهر القيمة تُـهـدَر في مجادلات حول تفاصيل النص. أرسلت الخلافات حول دلالات الألفاظ إشارات مروعة إلى الجمهور العالمي. وإلى جانب الآثار الصحية المباشرة، ستكون التداعيات الاقتصادية الناجمة عن الأزمة طويلة الأمد وشديدة. منذ ذلك الحين، حَـذَّرَ برنامج الغذاء العالمي من أننا ربما نتجه نحو أسوأ أزمة إنسانية منذ الحرب العالمية الثانية، حيث من المحتمل أن يموت ما يصل إلى 600 ألف طفل بسبب المجاعة وسوء التغذية. تُـعَـد أزمة «كوفيد 19» تذكرة قاتمة بروابطنا البشرية المشتركة ونقاط ضعفنا. وإذا فشلنا في الاستجابة للجائحة وغيرها من التهديدات المشتركة، فإننا بهذا نخون الآمال التي حملها لنا الجيل المؤسس للأمم المتحدة.

* الأمين العام السابق للأمم المتحدة. ويشغل حالياً منصب نائب رئيس منظمة الحكماء.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات