نظرية المؤامرة الكبرى بين الماضي والحاضر

دارت نقاشات حادة في الولايات المتحدة الأمريكية في صيف سنة 1945، تتعلق بسياسة الحلفاء الخاصة بطلب الاستسلام غير المشروط في الحرب العالمية الثانية، وبطريقة أو بأخرى ما زال هذا الجدل قائماً منذ ذلك الحين.

حيث كان هناك جدل يتعلق بتغير الطريقة التي يتعامل بها الأمريكيون مع الحرب الباردة، وتدخلات ما بعد الحرب الباردة في الشرق الأوسط. وفي واقع الأمر فإن المواقف المتغيرة للحزب الجمهوري فيما يتعلق بالاستسلام غير المشروط خلال الحرب العالمية الثانية تكشف لنا الانقسامات الداخلية ضمن الحزب وهويته الجماعية.

خلال الحرب العالمية الثانية كانت علاقة الحزب الجمهوري المتقلبة بالسياسة الحربية للرئيس فرانكلين روزفلت تعكس مزيجاً من المعارضة المبدئية والانتهازية السياسية وعدم وجود توافق داخلي. لقد كان من الطبيعي أن تكون سياسة الاستسلام غير المشروط التي تم الإعلان عنها في يناير 1943 مثيرة للجدل لسبب بسيط وهو ان روزفلت هو الذي قام بعمل تلك السياسة.

لقد كان الهدف من البرنامج المثالي للصفقة الجديدة هو رعاية الديمقراطية ذات القاعدة العريضة اقتصادياً في المجتمعات التي سعت سابقاً للغزو والقهر.

بالنسبة للمحافظين في الولايات المتحدة الأمريكية كان هذا المشروع مثالاً على الأيديولوجية الليبرالية غير المنضبطة، حيث لم يجدوا أي مبرر لنشر الليبرالية في اليابان الإمبريالية وعليه طالبوا بتغييرات في السياسة بعد وفاة روزفلت في أبريل من سنة 1945 واستسلام ألمانيا في الشهر الذي يليه.

لقد حذّر معظم الجمهوريين – وذلك من أنصار النظرة العالمية لأمريكا في الساحل الشرقي وإلى الانعزاليين في فترة ما قبل الحرب على حد سواء- من أن الجهود المبذولة لإصلاح المجتمع الياباني لن يكتب لها النجاح.

بحلول نهاية مايو، اصبحوا يعتقدون أن تعديل عام لأهداف الحرب الأمريكية سوف يساهم في تسريع الاستسلام الياباني، ولقد كان أهم «توضيح» (وهو المصطلح الذي كان يفضله المحافظون) هو طمأنة اليابانيين أن إمبراطورهم يمكن أن يحتفظ بالعرش.

لقد كان الوقت ينفد بسرعة، فلقد كان الروس جاهزين للانضمام لحرب المحيط الهادئ وكانت هناك خطط لإنزال أمريكي في اليابان لشهر نوفمبر. لقد كان المحافظون يأملون أن تنازل بالنسبة لموضوع الإمبراطور سوف يمنع الاحتلال السوفييتي لشمال شرق آسيا ويجنب الأمريكان غزواً مكلفاً.

لقد زاد الجدل مع وجود جمهوريين من كلا المعسكرين يضغطون على الرئيس هاري ترومان لتعديل سياسة الاستسلام غير المشروط، ولكن ترومان لم يتأثر بالضغوطات ورفض أن يعرض على الإمبراطور أي ضمان. وفي 26 يوليو، وجه الحلفاء تحذيراً لليابانيين أنهم يواجهون تدميراً وشيكاً وشاملاً لو استمروا بالحرب ولكن اليابانيين لم يغيروا موقفهم.

وجاءت النهاية سريعة، ففي السادس من أغسطس تم تفجير القنبلة النووية الأولى فوق هيروشيما، وفي الثامن من أغسطس أعلن السوفييت الحرب على اليابان، وفي اليوم التالي قتلت القنبلة النووية الثانية بشكل فوري 39 ألف شخص من سكان ناغازاكي، وفي 14 أغسطس استسلمت اليابان، حيث تم إخضاع الإمبراطور هيروهيتو وشعبه لسلطة القائد الأعلى للقوى المتحالفة وهو الجنرال الأمريكي دوغلاس مكارثر.

وبعد ذلك بخمسة أيام نشرت صحيفة شيكاغو تربيون، وهي لسان حال المعادين للتدخلات ضمن الحزب الجمهوري، مقالات لأحد مراسليها وهو والتر تروهان يدعي فيها أنه في يناير من سنة 1945 أرسل مكارثر إلى روزفلت تقريراً سرياً للغاية يظهر أن اليابانيين كانوا راغبين بالاستسلام، ولقد اختفى التقرير بشكل غامض عندما وصل للعاصمة واشنطن.

ولكن تروهان أكد للقراء أن التقرير كان حقيقياً ولقد احتدم النقاش حول هذا الموضوع، بعد أن أدعى الرئيس الجمهوري السابق هيربرت هوفر وهو من الأنصار المتشددين للتعديل أن متعاطفين مع الشيوعية في وزارة الخارجية الأمريكية منعوا ترومان من اخبار اليابانيين بأن بإمكانهم الاحتفاظ بإمبراطورهم.

في مايو من سنة 1951 ، وبعد فترة هدوء مؤقت استمرت لخمس سنوات تعززت تلك التخمينات خلال تحقيق مجلس الشيوخ في طرد تروهان لمكارثر. لقد استخدم بعض أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين ما أصبح يطلق عليه لاحقاً «الحقائق البديلة» .

حيث ادعوا أن هيروهيتو حاول الاستسلام للحلفاء مبكراً أي في فبراير 1945 – أي بعد شهر من الاختفاء المزعوم لتقرير مكارثر- ولقد أصر هؤلاء على أنه قد تم إحباط جهود هيروهيتو من قبل متعاطفين مع الشيوعية في واشنطن، حيث استخدموا الاستسلام غير المشروط من أجل إطالة أمد الحرب، والسماح للسوفييت باجتياح منشوريا ومساعدة الصين الشيوعية.

لقد كانت نظرية المؤامرة تلك جزءاً من هجوم جمهوري أوسع على الديمقراطيين على «خسارتهم» المفترضة للصين.

خلال خمسينيات القرن الماضي، هيمن على الحزب الجمهوري أشخاص أصحاب نزعة عالمية وليس لديهم اهتمام يذكر في إعادة البحث في نهاية الحرب أو طرح تساؤلات تتعلق باستخدام الأسلحة النووية والتي أصبحت أساس السياسة الدفاعية للولايات المتحدة الأمريكية. لقد نجح المعادون لسياسة التدخلات والذين شعروا بالتهميش، في الإبقاء على فكرة المؤامرة حية ضمن معاقل اليمين المتطرف.

حيث نشروا مقالات مطولة مليئة بالشكوى والنواح بعناوين مثل «بينما أنت نائم، كان العدو خلفه» و«هيروشيما: هجوم على عدو مهزوم» وهو مقال نشر في مجلة ذا ناشنول ريفيو وكتبه هاري ايلمر بارنز والذي يكره روزفلت.

بحلول منتصف ستينيات القرن الماضي، تعرضت سياسة الاستسلام غير المشروط لانتقادات جديدة، وهذه المرة من قبل مؤرخين يساريين كانوا يعملون على تقييم الدور الأمريكي في الحرب الباردة على ضوء التصعيد في فيتنام، ولقد جادل البعض أن ترومان تمسك بالاستسلام غير المشروط لأنه أراد أن يستخدم القنابل النووية لترهيب الاتحاد السوفياتي وبحلول منتصف تسعينيات القرن الماضي، أصبحت وجهة النظر تلك منتشرة بشكل كبير في الأوساط الأكاديمية.

نظرية المؤامرة بقيت لدى أقصى اليمين في أماكن مثل معهد المراجعة التاريخية وهو مقر الذين ينكرون وقوع الهولوكوست وجمعية جون بيرش وفي سنة 1995 أضاف المنتمون إلى جمعية بيرش بعداً آخر، وذلك عندما جادلوا بأن المتآمرين اقنعوا ترومان بمعارضة التنازلات واستخدام الأسلحة النووية لإنهم كانوا يأملون أنه بعد أن يدرك الأمريكان القوة التدميرية للأسلحة النووية فإنهم سوف يتخلون عن سيادتهم للأمم المتحدة وذلك من أجل منع حصول كارثة نووية.

لكن بحلول ذلك الوقت تغير الكثير منذ الأيام التي كان فيها الجمهوريون يشككون في قدرة أمريكا على تغيير مجتمع ما بعد تغيير النظام ففي سنة 2003 استشهد الرئيس جورج بوش الابن ومناصروه بالاحتلال الناجح لليابان كدليل على أن الولايات المتحدة الأمريكية ستكون قادرة على جعل العراق بلداً ديمقراطياً وبعد أسبوعين من الغزو أعلن وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد أن الولايات المتحدة الأمريكية تسعى للاستلام غير المشروط لصدام حسين.

قد يكون من المغري الاستنتاج أن معارضة الحزب الجمهوري لسياسة الاستسلام غير المشروط من حقبة الحرب العالمية الثانية والتي تم نسيانها لفترة طويلة ليست ذات أهمية كبيرة اليوم، ولكن الحزب الجمهوري لسنة 2020 لم يعد حزب دوايت ايزنهاور أو حتى بوش، فالحزب قد أصبح مجدداً خلية نشطة لأنصار نظرية المؤامرة والذين يلقون التشجيع من رئيس استسلم له ناخبو الحزب بشكل غير مشروط.

* أستاذ التاريخ في جامعة فيلانوفا

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات