الحكومات الملاذ الأخير في مواجهة الأزمات

صورة

من بين المعتقدات الراسخة التي تكرر تأكيدها في كل مؤتمر عُـقِـد عبر الإنترنت في ما يتصل بجائحة فيروس كورونا (كوفيد 19)، أن الجائحة تنذر بقدوم عصر يتسم بتدخلات أكبر وأكثر قوة من جانب الدولة في الاقتصاد. ولكن ماذا يعني هذا عندما نتحدث عن المستقبل؟ وفي أي من مجالات الحياة الاقتصادية ينبغي للدولة أن تفعل المزيد ــ أو تستطيع أن تفعل المزيد؟

يعتقد كثيرون أن الحكومات ينبغي لها أن تعالج أوجه الظلم وأن تعيد توزيع قدر أكبر من الدخل، أو أنها يجب أن تكافح تغير المناخ بقدر أكبر من القوة. هاتان أولويتان ملحتان. ولكن لأن جائحة كوفيد 19 كانت صدمة باغتت كل الدول تقريباً، فإن نقطة البداية الطبيعية تتمثل في حث الحكومات على توفير التأمين الاجتماعي ضد الصدمات بشكل أفضل وأوسع نطاقاً.

دعا والتر باجوت، واحد من أوائل رؤساء تحرير مجلة الإيكونمست، الحكومات والبنوك المركزية إلى الاضطلاع بدور الملاذ الأخير للإقراض. وقد أكدت الأزمة الحالية أن الحكومات، عندما تواجه صدمة بهذه الضخامة، يجب أن تكون أيضاً الملاذ الأخير للتأمين. لا يستطيع أي كيان خاص أن يعمل في ذات الوقت على توفير وتمويل استجابة الصحة العامة التي لا غنى عنها، ودفع أجور العمال القائمين بإجازات، وحفظ الوظائف عن طريق إقراض الشركات التي تعاني من ضائقة مالية، وإجراء تحويلات طارئة لصالح الأسر المستضعفة. فالدول وحدها قادرة على الاضطلاع بمثل هذه المهام.

يميز خبراء الإحصاء والاقتصاد بين الصدمات الخصوصية (التي تؤثر على بعض الأشخاص لبعض الوقت) والصدمات الكلية (التي تؤثر على الجميع في ذات الوقت). يساعد هذا في تحديد الأولويات في ما يتصل بما ينبغي للحكومة أن تفعل في المستقبل.

تستطيع أسواق التأمين الخاصة أن تعمل بشكل معقول إلى حد كبير إذا كانت الصدمات خصوصية. إذ تدفع شركة التأمين التي تؤمن على سيارتك لإصلاح حاجز اصطدام مكسور بها دون مساعدة من الحكومة، لأن أغلب الأشخاص الآخرين المؤمن عليهم لم يتعرضوا لحادث تصادم في ذات الوقت. وعلى هذا فإن جزءاً من قسط التأمين الذي يدفعونه يذهب إليك.

لكن التأمين الخصوصي ليس مضموناً بشكل كامل. فهو لا يعمل بكفاءة في مجال الرعاية الصحية، على سبيل المثال، إذا تسبب التأمين في إفشاء شعور الرضا عن السلوكيات المحفوفة بالمخاطر مثل استهلاك الكحول أو الإفراط في تناول الطعام، أو إذا دفع الأطباء إلى وصف اختبارات باهظة الثمن وليست ضرورية بالقطع. يدفع مثل هذا السلوك أقساط التأمين إلى الارتفاع ويترك الفقراء دون تغطية تأمينية. ولهذا السبب تحرص الخطط الجيدة التصميم مثل قانون الرعاية الميسرة في الولايات المتحدة «أوباما كير» على إجبار الجميع على الحصول على التأمين وتقديم إعانات الدعم للأسر المنخفضة الدخل.

في البلدان الغنية، تعمل مجموعات متنوعة من التأمين الخاص والعام على حماية معظم المواطنين من المخاطر الشخصية ــ سواء كانت بسبب المرض، أو البطالة، أو الدخل غير الكافي في سن الشيخوخة. لا يصدق هذا عندما يتعلق الأمر بالبلدان الناشئة والنامية، حيث تكون أنظمة التأمين الاجتماعي ضعيفة أو مقصورة على الموظفين الرسميين.

الواقع أن العديد من الأسر قد تخسر ثمار عقود من العمل الشاق إذا مرض أحد أفراد الأسرة أو تعرض لحادث. خلص تقرير رسمي صادر عن البنك الدولي حول هذا الموضوع إلى أن «العديد من أنظمة الحماية الاجتماعية تفتقر حالياً إلى الحماية ضد الخسائر الكارثية التي يتكبدها أولئك الذين لم يساهموا من قبل في خطط التأمين الاجتماعي التقليدية».

يتطلب سد هذه الفجوة تعبئة المزيد من موارد الدولة، خاصة أن التأمين الخاص لا يستطيع القيام بالأمر برمته. ولكن لا يوجد سبب واضح لعدم قدرة دول على القيام بذلك: قبل الأزمة الحالية، كان إنفاق الحكومة المركزية في هذه البلدان أقل من خُمس الناتج المحلي الإجمالي.

لكن الحذر واجب في هذا الصدد. ذلك أن المزيد من التمويل الحكومي للتأمين الاجتماعي لا يعني ضمنا أن الحكومة يجب أن تعمل على توفير الخدمات التي يغطيها هذا التأمين. تعالج هيئة الصحة الوطنية البريطانية المرضى في مستشفيات الدولة وتتحمل الفاتورة؛ وبموجب نظام الدفع الفردي الكندي، تغطي الحكومة تكلفة الخدمات التي تقدمها في الغالب مستشفيات وعيادات خاصة. ويجب أن تكون الاقتصادات الناشئة قادرة على الاختيار بين النظامين البريطاني والكندي، أو اختيار صيغة أخرى. ويجب أن يكون اختيارها قائماً على الفعالية وليس الأيديولوجية.

أما الصدمات الكلية فهي قصة مختلفة، نظراً لعدم وجود مجموعة فرعية من المواطنين غير المتضررين الذي يمكنهم إنقاذ الضحايا. وفي حال غياب أي مجموعة فرعية من البلدان المحظوظة التي لم يمسها المرض، كما هي الحال مع «كوفيد 19»، فسوف تكون المساعدات من الخارج محدودة في أفضل تقدير. ولهذا، تضطر الدول إلى حد كبير إلى التأمين الذاتي، ما يجعل الحكومة الملاذ الأخير للتأمين.

تشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن الحكومات أنفقت 11 تريليون دولار إضافية في الاستجابة للجائحة، في العديد من الحالات عُـشـر الناتج المحلي الإجمالي أو أكثر. في إعادة صياغة مقولة رئيس البنك المركزي الأوروبي السابق ماريو دراجي، فإن الدول الغنية تنفق «كل ما يلزم». أما البلدان الناشئة والنامية، الأقل قدرة على الاقتراض، فإنها تنفق «كل ما يمكنها إنفاقه».

في بيئة عالمية تتسم بانخفاض أسعار الفائدة بدرجة غير عادية، تستطيع حكومات الدول الغنية أن تقترض بارتياح مبالغ أكبر كثيراً مما كان يتصور المتحوطون مالياً ذات يوم.

إن القيود المتساهلة المفروضة على إصدار الديون العامة في البلدان المتقدمة لا تعني عدم وجود أي حدود. بل تعني، كما زعم كبير خبراء الاقتصاد في صندوق النقد الدولي سابقاً، أوليفيه بلانشار، أن «تمديد الديون، أي إصدار الديون دون زيادة لاحقة في الضرائب، ربما يصبح في حكم الممكن، لو كان من المتوقع أن تظل أسعار الفائدة الآمنة أقل من معدلات النمو لفترة طويلة».

لكن الكثير بات معلقاً على «لو». تستطيع الحكومات، وينبغي لها، أن تضطلع بدور الملاذ الأخير للتأمين في مواجهة صدمة كلية كارثية. ولكن لن يتسنى لها أداء هذه الوظيفة الحاسمة إلا من خلال ضمان امتلاكها للموارد اللازمة اليوم. ويصدق هذا بشكل خاص في الاقتصادات الناشئة والنامية، حيث القيود المفروضة على الاقتراض العام غير متساهلة على الإطلاق.

من المقولات الشائعة اليوم: «بعد كوفيد 19، يخرج ميلتون فريدمان ويدخل جون ماينارد كينز». ولكن إذا كنا «نحن جميعاً من أتباع جون ماينارد كينز الآن»، وفقاً للمقولة الشهيرة المنسوبة غالباً إلى ريتشارد نيكسون، فيتعين علينا أن نتذكر تعاليم كينز: «من الأهمية بمكان تشديد السياسة المالية في أوقات الرخاء، حتى يتسنى لها أن تصبح توسعية في الأوقات العصيبة».

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات