أمريكا واستعادة شركائها

تعهد المرشح عن الحزب الديمقراطي الأمريكي الديمقراطي للرئاسة، جو بايدن، بمعاودة الانضمام إلى اتفاق باريس للمناخ الذي أُبـرِم في عام 2015، «في اليوم الأول» لإدارته في السلطة، وتحقيق هدف الحياد المناخي بحلول عام 2050، وقيادة تحالف عالمي ضد التهديد الذي يفرضه تغير المناخ. إذا حدث هذا، فسوف يُـذكَـر إنكار ترامب الصاخب للأدلة العلمية على أنه كان مجرد ومضة زائلة. وهذا إنجاز مهم سيتلافى ما اقترفه الرئيس الامريكي دونالد ترامب بحق المناخ. ولا بد لنا من الإشارة إلى أن ترامب سَـيُـذكَـر بمبادراته التجارية وإنجازاته بهذا الصدد. وعلى الرغم من الصعوبة المحيطة دوماً بمحاولة تحديد الأهداف الحقيقية لإدارة متنوعة متعددة، تبرز ثلاثة أهداف رئيسية الآن: إعادة التصنيع إلى الداخل، وإصلاح منظمة التجارة العالمية، والانفصال الاقتصادي عن الصين. وكل من هذه الأهداف من المرجح أن يستغرق تحقيقه وقتاً أطول من بقاء ترامب في منصبه، ولو جزئياً على الأقل.

كان هدف إعادة التصنيع إلى الداخل يبدو قبل أربع سنوات خيالاً باهظ التكلفة، ولا يزال كذلك في كثير من النواحي. وكما وثق زميلي تشاد باون في معهد بيترسون، فإن حرب ترامب التجارية مع العالم أضرت بمصالح الولايات المتحدة الاقتصادية. لكن إعادة التصنيع إلى الداخل كهدف سياسي اكتسب حياة جديدة بعد أن كشفت الجائحة عن الضعف الكامن في الاعتماد بشكل كامل على المصادر العالمية. وقد أيد بايدن الفكرة، والآن أصبحت «السيادة الاقتصادية» ــ أياً كان معنى هذا المصطلح ــ شعاراً جديداً شبه عالمي.

يزعم الممثل التجاري الأمريكي روبرت لايتهايزر أن «إعادة ضبط» منظمة التجارة العالمية كانت تشكل أولوية قصوى للإدارة. إذا صح ذلك، فقد أحرز بعض التقدم.

تتمثل النقطة الفاصلة الرئيسية هنا في العلاقات بين الولايات المتحدة والصين. فرغم أن التوترات الثنائية كانت واضحة قبل انتخاب ترامب في عام 2016، لم نسمع أحداً يتحدث عن «الانفصال» بين دولتين أصبحتا متكاملتين اقتصادياً ومالياً على نحو وثيق. وبعد مرور أربع سنوات، بدأ الانفصال فعلياً على جبهات عدة، من التكنولوجيا إلى التجارة والاستثمار. واليوم ينظر الجمهوريون والديمقراطيون الأمريكيون على حد سواء إلى العلاقات الاقتصادية الثنائية من منظور جيوسياسي.

إدارة بايدن أيضاً لن تجد سهولة في تحقيق هدفها المتمثل في استعادة العلاقات مع حلفاء الولايات المتحدة والديمقراطيات المماثلة لها فكرياً، والشركاء في مختلف أنحاء العالم. قبل رئاسة ترامب، أصبح قسم كبير من العالم معتاداً على النظر إلى الولايات المتحدة باعتبارها المهندس الرئيس للنظام الاقتصادي الدولي.

كانت العلامة المميزة لترامب تتلخص في معاملة جميع البلدان الأخرى كمنافسين، أو خصوم، وكان هدفه الأسمى يتمثل في تعظيم الريع الذي تستطيع الولايات المتحدة استخراجه من موقعها الاقتصادي الذي لا يزال مهيمناً. ويلخص شعار «أمريكا أولاً» ترويج ترامب الصريح لتعريف ضيق للمصلحة الوطنية.

حتى لو كانت الولايات المتحدة في عهد بايدن على استعداد لتقديم التزامات دولية جديرة بالثقة مرة أخرى، فقد تتغير آفاقها بشكل دائم. أخيراً، زعمت مستشارة ترامب السابقة ناديا شادلو أن ولاية ترامب سَـتُـذكَـر على أنها اللحظة التي تحول فيها العالم بعيداً عن نموذج أحادي القطبية إلى نموذج تنافس القوى العظمى.

ليس من الواضح على الإطلاق ما إذا كان بايدن قادراً، في حال فوزه، على استعادة ثقة شركاء أمريكا الدوليين. على الرغم من كل انحرافاتها وشذوذها، فإن رئاسة ترامب قد تشير إلى ردة فعل أمريكية أعمق إزاء التحول الطارئ على القوة الاقتصادية العالمية، وربما تعكس رفض الجمهور الأمريكي للمسؤوليات الدولية التي تحملها بلدهم لمدة ثلاثة أرباع القرن من الزمن. وربما يكون الاعتقاد القديم السائد بين حلفاء أمريكا وشركائها الاقتصاديين بأن الأمريكيين «سيفعلون الصواب في نهاية المطاف» قد تحول إلى ذكرى من الماضي.

* كبير زملاء مركز بروجل البحثي الفكري الذي يتخذ من بروكسل مقراً له، وكبير زملاء غير مقيم لدى معهد بيترسون للاقتصاد الدولي.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات