نهج استراتيجي يحمي أمريكا من «قنبلة الديون»

حَـشَـد بنك الاحتياطي الفيدرالي والكونغرس الأمريكي مبالغ هائلة للإنفاق التحفيزي خشية أن ينزلق الاقتصاد، أخيراً. وبافتراض أن أمريكا ستتمكن في نهاية المطاف من هزيمة جائحة «كورونا» (كوفيد 19) ولا تتحول إلى عالَـم مختل مرير الواقع أشبه بسلسلة أفلام Terminator، فكيف تتجنب الهاوية المالية الوشيكة والإفلاس الوطني؟

للإجابة على مثل هذه التساؤلات، ينبغي لنا أن نتأمل في الدروس المستفادة من الحرب العالمية الثانية، التي لم تتسبب في إفلاس الولايات المتحدة، حتى على الرغم من ارتفاع الديون إلى 119% من الناتج المحلي الإجمالي. وبحلول وقت حرب فيتنام في ستينيات القرن العشرين، انخفضت النسبة إلى ما يزيد قليلاً عن 40%.

كان تمويل الحرب العالمية الثانية يتألف من مزيج من الضرائب بنحو 40% والديون بنحو 60%.

وقد حصل مشترو هذا الدين على عائدات هزيلة، مع إبقاء بنك الاحتياطي الفيدرالي على العائد على سندات الخزانة لسنة واحدة عند مستوى 0.375% تقريباً ــ مقارنة بالمعدلات السائدة في وقت السلم بنحو 2% إلى 4%. في ذات الوقت، لم تتجاوز عائدات السندات ذات العشر سنوات 2%، وهي النسبة التي تبدو في الوقت الحاضر مرتفعة في حقيقة الأمر.

في أبريل من عام 1943، تهافت موظفو بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك على شراء ما تجاوزت قيمته 87 ألف دولار من السندات. وكانت القوانين الفيدرالية تمنع البنوك من تقديم أسعار فائدة مرتفعة للمدخرين.

على أية حال، ارتفعت مدخرات الأسر الأمريكية أثناء الحرب العالمية الثانية ــ وكان قسم كبير منها في هيئة سندات. لكن سندات الخزانة كانت تقدم عائداً ضئيلاً، وكانت آجال استحقاقها بعيدة، وكانت تحمل صورة عابسة متجهمة لرئيس سابق. كيف إذن تسنى حل ديون الحرب الضخمة؟ تبرز هنا ثلاثة عوامل.

أولاً، سجل الاقتصاد الأمريكي نمواً سريعاً. ثانياً، ارتفع التضخم بعد الحرب مع إلغاء الحكومة لضوابط الأسعار. ثالثاً، استفادت الولايات المتحدة من تقييد أسعار الاقتراض لفترة طويلة. ما هو درس اليوم إذن؟ بادئ ذي بدء، ينبغي لوزارة الخزانة الأمريكية أن تعطي أطفال الغد الفرصة بإصدار سندات مدتها 50 إلى 100 عام، مع الإبقاء على أسعار الفائدة الضئيلة اليوم سارية مدى الحياة.

وعلى الرغم من حقيقة مفادها أن العديد من مؤسسات التعلم تضررت بفعل الجائحة، فقد أصدرت جامعة بنسلفانيا، وجامعة ولاية أوهايو، وجامعة ييل أيضا سندات مدتها 100 عام. وفي عام 2010، اختطف المشترون سندات المكسيك التي كانت مدتها 100 عام.

ومن المؤكد أنه تحتاج الولايات المتحدة بشدة إلى إصلاح برامج التقاعد أيضاً. لكن هذه مناقشة ليوم آخر. وأخيراً، ماذا عن تجربة ما بعد الحرب مع التضخم؟ هل ينبغي لنا أن نحاول إطلاق الأسعار إلى طبقة الستراتوسفير لتقليص الديون؟ أنصح بخلاف ذلك. فلم يعد المستثمرون الجمهور الأسير الذي كان في الأربعينيات.

الآن، يستطيع «حراس السندات» أن يكتشفوا خطط خفض القيمة مقدماً، ما يؤدي إلى ارتفاع أسعار الفائدة وتقليل قيمة الدولار. وأي محاولة للتخلص من الدين عن طريق التضخم من شأنها أن تفضي إلى طفرة لصالح حاملي ومكتنزي الذهب والعملات الرقمية المشفرة.

لن تنتهي الحرب ضد (كوفيد 19) بغارة قصف، أو معاهدة، أو احتفالات في تايمز سكوير. بدلاً من ذلك، يجب أن تكون الصورة التي نضعها نصب أعيننا لقنبلة موقوتة من الديون. وبوسعنا أن ننزع فتيل هذه القنبلة، ولكن فقط إذا تمكنا من كسب المعركة ضد الجمود السياسي. لن تنتهي هذه الحرب بانفجار، لكنها قد تنتهي إلى الإفلاس.

* مدير السياسات الاقتصادية الأسبق في البيت الأبيض في عهد جورج بوش الأب، والمدير الإداري لـ«صندوق التحوّط» سابقاً.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات