تعزيز ثقافة الالتزام والتكاتف المجتمعي لمكافحة الوباء

  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
صورة

في عام 1960، نشر رجل الاقتصاد رونالد كواس، الحائز جائزة نوبل، مقالته: «مشكلة التكلفة الاجتماعية»، حيث تنطوي الأنشطة البشرية غالباً على تأثيرات خارجية سلبية، وعلى هذا فإن الحريات الفردية من غير الممكن أن تكون مطلقة. وهنا يجب أن تتدخل المؤسسات. لن نجد مثالاً أفضل لهذه الديناميكية من أزمة مرض فيروس كورونا (كوفيد 19).

فبينما عانت كل البلدان تقريباً نتيجة الجائحة، فإن أداء بعض البلدان كان أفضل كثيراً من غيرها. ففي حين نجحت بعض البلدان في خفض حالات «كوفيد 19» إلى الصِـفر تقريباً، كانت معدلات الإصابة والوفاة بهذا المرض في ارتفاع مضطرد عدة أشهر في بلدان أخرى. وكما لاحظت شركة ماكينزي آند كومباني، فقد عاد النشاط الاقتصادي المرتبط بالتنقل التقديري إلى طبيعته في المجموعة الأولى من البلدان. أما بين بلدان المجموعة الأخيرة، فلا يزال هذا النشاط أقل بنحو 40% من مستويات ما قبل الجائحة.

لا يعاني الجميع بالتساوي. إذ يتحمل العبء الأكبر العمال من ذوي الأجور المنخفضة، وفرصهم أقل في الحصول على الرعاية الطبية أو البقاء في المنزل ــ لأن وظائفهم مصنفة أنها «أساسية». هذا يعرض الجميع للخطر. فحتى لو تمكنت دولة ما من احتواء الموجة الأولى من إصابات «كوفيد 19»، فسوف تظل عُـرضة للخطر، مع استمرار استيراد الفيروس من البلدان الأسوأ أداء. بعبارة أخرى، تمتد التكاليف الاجتماعية المترتبة على نقص الترتيبات المؤسسية في بعض البلدان إلى البلدان التي كان أداء مؤسساتها جيداً.

تتمثل الخطوة الأولى نحو معالجة هذه المشكلة في تحديد أي الترتيبات المؤسسية أكثر فاعلية في الحد من التكاليف الاجتماعية المترتبة على أزمة «كوفيد 19». لا يقتصر الأمر على وجود مؤسسات قوية. إذ تتميز الولايات المتحدة والمملكة المتحدة بالقوة المؤسسية، وكل منهما كان لديها عدة أسابيع، إن لم يكن عدة أشهر، للاستعداد قبل بدء تفشي المرض، ومع ذلك تواجه كل منهما واحداً من أعلى مستويات الإصابة والوفاة على مستوى العالم.

على النقيض من ذلك، كانت بلدان شرقي آسيا أول البلدان التي أصابتها عدوى المرض، بمعنى أن الوقت الذي أتيح لها للاستعداد كان ضئيلاً، إن كان أتيح لها أي فسحة من وقت. ومع ذلك فإن العديد منها كانت بين البلدان التي نجحت في خفض حالات الإصابة بعدوى «كوفيد 19» إلى ما يقرب من الصِـفر. ترجع هذه الاختلافات إلى مواقف مختلفة فأي الأدوار والمسؤوليات يوكلها كل مجتمع للحكومة، وإلى أي مدى تتوقع الحكومة أن يعمل المجتمع كعامل جماعي لتحقيق المصلحة العامة؟

في الولايات المتحدة، هناك تأكيد باقٍ منذ أمد بعيد على الحرية الشخصية. ومن الشائع تماماً أن نسمع تعبير «الحكومة الصغيرة»، حيث يزعم كثيرون أن الأفراد الذين يعملون كمشاركين مهتمين بمصالحهم الذاتية في الأسواق وفي العمليات الاجتماعية والسياسية ينتهون بشكل طبيعي إلى نتائج إيجابية. أما التدخل الحكومي ــ حتى في حالة الجائحة ــ فهو يشكل انتهاكاً للحقوق الفردية، وخرقاً للمعنى الحقيقي لكون المرء أميركياً. وتعكس الاحتجاجات ضد أوامر الاحتماء في المكان وارتداء الأقنعة هذا الرأي. ويختلف هذا تمام الاختلاف عن العقلية السائدة في شرقي آسيا.

أثناء الجائحة، لا يستطيع أي فرد أن يتلقى معلومات شاملة ولحظية عن الفيروس. الواقع أن مجرد وجود ناقلين للمرض لا تظهر عليهم أعراضه يحول دون إمكان الحصول على «المعلومات الكاملة». ولأن تكاليف المعاملات التي يفرضها ارتداء أقنعة الوجه، والحجر الصحي، والاختبار، وتتبع المخالطين، باهظة، فإن جعل الامتثال مسألة اختيار فردي لن يكون كافياً أبداً لاحتواء الفيروس. ولكن التدخل المركزي على النمط السوفييتي ليس احتمالاً وارداً فلن يتمكن وكلاء الدولة من مراقبة كل تحرك يقوم به كل شخص وفرض كل سلوك احترازي في كل الأوقات. وخلافاً للاعتقاد السائد، لم يكن هذا ما فعلته الصين. ما حدث بدلاً من ذلك هو أن الدولة الصينية، انطلاقاً من إدراكها حقيقة مفادها أن تشجيع العمل الطوعي بالكامل لا يكفي، قامت بفرض قواعد شاملة وإلزامية لتسهيل الامتثال الفردي والمجتمعي، فضلاً عن توفير الدعم المالي واللوجستي للتنفيذ.

للتوضيح، عند وصولنا إلى شنتشن من هونج كونج، توجه أحدنا إلى فندق مخصص ــ مجهز بفريق طبي يقوم بإجراء الاختبارات ومراقبة درجات الحرارة ــ لحجر صحي إلزامي مدة 14 يوماً. وفي الطريق إلى الفندق، تواصل معه مالك الفندق ومسؤول الاتصال المجتمعي، بعد أن أبلغتهما السلطات للاستعداد لوصول جديد من الخارج.

من المطار إلى فندق الحجر الصحي إلى المنزل، كان كل فرد ــ ضباط الهجرة، وسائقو الحافلات، والمسؤولون عن أجهزة الفحص الأمني، والموظفون الطبيون، وموظفو الفندق ــ يرتدون معدات الحماية الشخصية الكاملة. وكانت المناطق المشتركة تخضع للتطهير بشكل منتظم. وبالطبع، وفرت الدولة كل الموارد اللازمة.

بطبيعة الحال، يفضل أي مسافر الذهاب إلى منزله، وليس البقاء في فندق الحجر الصحي أسبوعين. ولكن تكاليف الامتثال الباهظة ظاهرياً بالنسبة للأفراد لا تفوق التكاليف الاجتماعية الإجمالية المترتبة على التدخلات الجزئية. وعلى هذا، فبفضل الدعم المؤسسي والتوجيه الواضح، اتخذ الناس الاحتياطات اللازمة. كما كانت المسؤولية عن التنفيذ محددة بوضوح عبر الهيئات الحكومية.

الواقع أن النتائج ــ انخفاض حاد في عدد الإصابات والوفيات ــ تتحدث عن نفسها. وقد حققت دول أخرى في شرقي آسيا ــ مثل اليابان، وسنغافورة، وكوريا الجنوبية، وفيتنام ــ نجاحات مماثلة، باستخدام نهج مؤسسي مشابه للغاية. وفي كل الحالات، تدخلت الحكومة في وقت مبكر، فوضعت قواعد وإرشادات شاملة، ووفرت الموارد اللازمة لتطبيق التدابير ذات الصلة. وفي كل من هذه الحالات، كان المجتمع متقبلاً للتدخل من جانب الحكومة بهدف النهوض بالمصلحة العامة.

من الأهمية بمكان أن ندرك أن هذه البلدان لديها ثقافات وأنظمة سياسية شديدة الاختلاف. وعلى هذا فإن محاولات تحويل الاستجابة المؤسسية الفعّـالة للجائحة إلى ساحة معركة سياسية أو إيديولوجية ممارسة مضللة في أفضل تقدير. الدرس الذي يقدمه لنا رونالد كواس يتلخص في أن كل مجتمع، بصرف النظر عن الإيديولوجية أو السياسة، يتعين عليه أن يعمل على وضع ترتيبات مؤسسية كفيلة بالتقليل من التكاليف الاجتماعية. فمن المؤكد أن أولئك الذين يعانون عواقب قرارات اتخذها آخرون من غير المرجح أن يستمتعوا «بحريتهم».

* زميل في معهد آسيا العالمي في جامعة هونج كونج، وعضو المجلس الاستشاري لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة لشؤون التمويل المستدام.

** رئيس مؤسسة هونج كونج للتمويل الدولي، وهو أستاذ ومدير معهد أبحاث طريق الحرير البحري في كلية إتش إس بي سي لإدارة الأعمال في جامعة بكين.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات