سياسات جديدة وتخفيضات ضريبية تعزز تعافي الاقتصاد

يبدو أن الركود العميق غير المسبوق تاريخياً الذي أحدثته جائحة مرض فيروس كورونا «كوفيد 19» تجاوز مرحلة الأزمة في أغلب البلدان.

لكن التوقعات الرسمية والخاصة الحالية، إذا صحت، تشير ضمناً إلى أن أغلب الاقتصادات لن تعود إلى ذروات الأداء السابقة قبل أواخر عام 2022. يتوقف قدر كبير من الأمر ليس فقط على تطور الجائحة ونشر العلاجات واللقاح بطريقة فعّالة، بل وأيضاً على السياسات النقدية والمالية والتجارية والتنظيمية المتبعة. وعلى هذا، يقوم صناع السياسات والمعلقون بفحص الأحداث السابقة بحثا عن استجابة فعّالة.

تتباين جميع فترات الركود من حيث السبب المباشر الذي أدى إلى حدوثها. جاءت العديد من فترات الركود بعد الحرب العالمية الثانية في الولايات المتحدة في أعقاب فترات من تشديد السياسة النقدية من قِـبَـل مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي (البنك المركزي) للسيطرة على التضخم المتزايد الارتفاع.

أتى الركود العميق في الفترة من 1973 إلى 1975، ثم الركود الذي تلاه خلال الفترة من 1981 إلى 1982، في أعقاب صدمات نفطية ضخمة. وجاءت فترة الركود في عام 2001 بعد انفجار فقاعة الدوت كوم.

على النقيض من هذا، كان الركود العظيم في أمريكا في الفترة بين 2008 إلى 2009 راجعاً إلى أزمة أحدثتها المؤسسات المالية المفرطة المديونية.

وأخيراً، جاء الركود الذي أحدثته أزمة «كوفيد 19» في أعقاب إجراءات الإغلاق غير المسبوقة التي أوقفت الاقتصاد الشخصي «غير الأساسي» بالكامل. وسرعان ما تحول ما بدأ كصدمة ضخمة على جانب العرض إلى نقص في الطلب، نظراً للزيادة السريعة في البطالة، وارتفاع مستويات عدم اليقين بشأن آفاق التعافي، والتسوق عبر الإنترنت فقط، وزيادة الادخار الشخصي.

في أعقاب الركود العميق يأتي عادة التعافي السريع، كما يتضح لنا من سنوات نمو الناتج المحلي الإجمالي السنوي فوق مستوى 4% في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين. على نحو مماثل، يأتي في أعقاب فترات الركود المعتدل ــ كتلك في الفترة من 1990 إلى 1991 ــ عادة فترات من التعافي الأبطأ نسبياً.

وقد أطلق ميلتون فريدمان، رجل الاقتصاد الحائز على جائزة نوبل، على هذه الظاهرة مسمى «تأثير النقر» (في الإشارة إلى النقر على أوتار الكمان بالأصابع بدلاً من القوس).

لكن الركود العظيم بعد عام 2008 تلته ثماني سنوات من النمو السنوي بنصف السرعة (2%). الواقع أن التعافي القوي كمثل التعافي من فترات الركود العميق السابقة كان لينقذ ما يقرب من 20 مليون سنة عمل (وظيفة واحدة بدوام كامل لمدة عام) على مدار أربع سنوات. ربما نجد تفسيرات عديدة محتملة لهذا القصور في الأداء.

أطلق الركود العظيم العنان لسلسلة من التدابير النقدية والمالية لتحفيز الاقتصاد. كان بنك الاحتياطي الفيدرالي يتمتع بحيز كبير لخفض سعر الفائدة المستهدف من 5% إلى الصفر، وقد تركه عند مستوى الصفر لسبع سنوات، في حين قام بتنظيم عمليات الإنقاذ، وحواجز الدعم، وخطوط مقايضة العملة، ومشتريات الأصول بقيمة بلغت نحو 3 تريليونات دولار من سندات الخزانة والأوراق المالية المدعومة بالرهن العقاري.

قبل جائحة «كوفيد 19»، كانت البطالة منخفضة بدرجة غير مسبوقة تاريخياً، وكان التضخم تحت السيطرة، وكانت أعباء ديون الأسر أقل كثيراً نسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي مقارنة بما كانت عليه قبل الركود العظيم. كانت ديون الشركات مرتفعة، لكن تكاليف خدمتها كانت معقولة.

في الاستجابة للجائحة، سارع بنك الاحتياطي الفيدرالي إلى تبني سياسة سعر الفائدة صفر، وقدم الدعم للعديد من الأسواق، ووسع ميزانيته العمومية إلى أكثر من 7 تريليونات دولار.

ولأن التعافي من الركود العظيم بعد عام 2008 كان بطيئاً للغاية فإن قِلة من المراقبين في بداية هذا العام كانوا ينظرون إليها كنموذج للاستجابة لركود كبير آخر. في الأمد البعيد، تميل الاختلافات في معدلات النمو الاقتصادي وتحقيق التوسعات المستمرة الطويلة الأجل إلى أن تكون ما يتذكره الناس عندما يبحثون عن الدروس.

في حال الركود الناجم عن جائحة «كوفيد 19»، ترتبط الظروف الاقتصادية بمسار الجائحة إلى الحد الذي يصبح من غير الممكن معه التنبؤ بأي قدر من اليقين بمسار التعافي. كان انخفاض الناتج وتشغيل العمالة أكبر كثيراً، كما حدث بسرعة أكبر كثيراً، مقارنة بالركود العظيم، ويبدو أن التعافي السريع على هيئة حرف V بدأ يتباطأ ــ ومن المرجح أن يستمر بوتيرة أكثر تواضعاً.

تشمل التأثيرات الطويلة الأمد المرجحة خسارة فادحة تتكبدها الشركات الصغيرة ورأس المال البشري؛ والعمل عن بُـعـد بشكل أكثر دواماً؛ وتسارع التحول الرقمي؛ وزيادة التركيز وتراجع المنافسة في بعض القطاعات.

تشير الدروس التجريبية القائمة على البحث الأكاديمي إلى أن صُناع السياسات يجب أن يعملوا على تأخير الضوابط التنظيمية الجديدة إلى أن يتعافى الاقتصاد، مع تركيز التدابير المالية الإضافية على خفض الضرائب وتنفيذ خطة ضبط مالية جديرة بالثقة حسبما تقتضي الظروف، من أجل تجنب الانزلاق إلى حال أسوأ عند وصول الأزمة الكبرى التالية.

* أستاذ علوم الاقتصاد في جامعة ستانفورد، وكبير زملاء مؤسسة هوفر.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات