مدينة «كوفيد - 19»

لم تنجُ أي مدينة من الانتشار المميت لـ«كوفيد19»؛ ولكن الفيروس كان له تأثير متفاوت للغاية على مجموعات مختلفة من الناس حتى داخل نفس المدينة.

فعندما كانت مدينة نيويورك بؤرة انتشار الوباء على المستوى العالمي، سجل وسط مانهاتن معدل إصابة ناهز 925 لكل 100000 شخص، مقارنة بـ 4125 لكل 100000 في كوينز. وسبب هذه الفجوة واضح ومباشر. إذ يمكن لسكان نيويورك الأكثر ثراء الوصول إلى مجموعة واسعة من الخدمات الصحية، والعمل عن بُعد في مبانٍ واسعة متعددة الطوابق.

وكما هو الحال في كل المدن الكبرى، يحدد الرمز البريدي للفرد مصير هذا الأخير إلى حد كبير جداً.

إذ لا تتجاوز المسافة بين مانهاتن وكوينز 25 دقيقة على متن مترو الأنفاق، ولكن الفرق بينهما في متوسط الدخل السنوي يبلغ 78000 دولار، وهو رقم يثير الذهول.

ويمكن أن يصل التباين بين أحياء المدينة فيما يتعلق بالأجل المتوقع للحياة إلى عشر سنوات. ولا تزال هناك تفاوتات مماثلة في الدخل، والصحة، والتعليم، وفي كل مقياس آخر للرفاهية تقريبًا، في معظم المدن الكبرى عبر العالم. وسيزيد «كوفيد19» من عمق هذه الفوارق.

وفي جميع أنحاء العالم، تكافح الأحياء المكتظة والمهمشة لاحتواء انتشار «كوفيد19» أكثر من المدن التي تعرف كثافة سكانية. إن العوامل الاجتماعية والاقتصادية، هي المحدد الرئيسي لخطر العدوى وليس الجغرافيا الطبيعية.

وتضر جائحة «كوفيد19»، بصورة خاصة، بسكان المدن في الاقتصاد غير الرسمي، حيث معظم الوظائف منخفضة الأجر ولا يمكن أداؤها عن بُعد. وكما نوضح في كتابنا الجديد (الأرض المجهولة)، يؤدي «كوفيد19» إلى تفاقم أشكال متعددة من عدم المساواة داخل البلدان والمدن وفيما بينها. وتتحمل المدن الكبرى العبء الأكبر من التكاليف البشرية والاقتصادية للوباء.

ولكن رغم أن الوباء قد أثر بشدة على العديد من المدن الخارقة، فإن بعض الصناعات التي تقود اقتصاداتها تتمتع بمرونة ملحوظة، مما قد يساعد في تفسير سبب انتعاش أسواق الأسهم العالمية. ومن الواضح بالفعل أن الفائز الأكبر في الأزمة الحالية ستكون شركات التكنولوجيا الفائقة.

حتى إذا طُور اللقاح ووزع في وقت مبكر من عام 2021، فإن «كوفيد19» سيدمر المدن إلى حد كبير. مع ذلك، رغم أن العديد من المدن الكبرى في حالة إغلاق، إلا أنها أبعد من أن تنهار. ستستمر المدن في كونها مواقع للابتكار، والتجريب، والاختراع.

بطريقة أو بأخرى، يعتمد مستقبلنا على المدن. ولهذا السبب ركز المنتدى الاقتصادي العالمي مبادرته الكبرى لإعادة التعيين على المراكز الحضرية، ووضع الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريس، المدن المرنة والشاملة في جوهر تحقيق أهداف التنمية المستدامة.

وبالنسبة لقادة المدن، تتمثل المهمة في البدء في الاستثمار في وسائل نقل تُقل أقل عدد من الركاب، وتحويل الشوارع إلى ممرات خاصة بالراجلين، أثناء اختبار نماذج جديدة للتصميم الحضري، بما في ذلك إعادة تأهيل المباني والأماكن العامة لتستجيب للمعايير الصحية، وتصبح بديلا متجددا. لقد أظهر لنا الوباء أن ضمان صحة السكان يتطلب إعادة تشكيل المجتمع؛ والمدن هي المكان الذي ستبدأ فيه هذه العملية.

* أستاذ العولمة والتنمية بجامعة أكسفورد.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات