أوروبا تنقذ شعبوييها

سلافومير سيراكوفسكي - مؤسس حركة كرايتايكا بوليتسزنا ومدير معهد الدراسات المتقدمة في وارسو وزميل تنفيذي في المجلس الألماني للعلاقات الخارجية.

كما كان متوقعاً هاجم البرلمان الأوروبي الميزانية والحزمة المخصصة للتعامل مع الجائحة والتي أقرها المجلس الأوروبي أخيراً. إن المبلغ المعلن وهو 1.8 تريليون يورو (2.1 تريليون دولار) والتخفيضات المقترحة على تمويل التنمية بما في ذلك العلوم والأبحاث واجهت بعض المقاومة كما كان متوقعاً لكن أكبر عقبة كانت دائماً المقترح المتعلق بجعل تمويل الاتحاد الأوروبي مشروطاً باحترام حكم القانون.

لقد جادل داشيان سيلوس وهو زعيم مجموعة تجديد أوروبا الوسطية دعماً لذلك الشرط، حيث قال «إن هذا لا يستهدف هنغاريا أو بولندا أو أي دولة أخرى عضو في الاتحاد الأوروبي بل الهدف هو التحقق من أن الأموال الأوروبية لم تعد تمول الحكومات التي تدير ظهرها لقيمنا الأساسية بشكل يومي».

لكن ليس سراً أنه في كل من هنغاريا وبولندا يتم استخدام أموال الاتحاد الأوروبي بشكل منهجي من أجل تمويل الفساد السياسي أو الخاص والصرف على العطايا للمناصرين السياسيين. إن آخر تلك الأمثلة هو السيطرة على آخر موقع إخباري مستقل في هنغاريا والذي يقرأه ملايين الهنغاريين وبالإضافة إلى ذلك فإن الحكومات بقيادة حزب فيديسز في هنغاريا وحزب القانون والعدالة في بولندا هي من أقل الحكومات تقبلاً لإظهار التضامن عندما يتعلق الأمر بقبول اللاجئين أو دعم الصفقة الأوروبية الخضراء.

وعوضاً عن مواجهة هؤلاء الأشرار بشكل مباشر، سعى الاتحاد الأوروبي إلى تسوية وذلك من خلال تكليف المفوضية الأوروبية بمهمة إنشاء آلية للعقوبات المالية وذلك من أجل التعامل مع انتهاكات حكم القانون .

يبدو أنه ضمن التسلسل الهرمي لمشاكل الاتحاد الأوروبي، فإن انتهاكات حكم القانون قد أصبحت أقل أهمية بسبب الجائحة وما نتج عنها من انكماش اقتصادي وأزمة المناخ التي تلوح بالأفق. يبدو أن قادة الاتحاد الأوروبي يواجهون معضلة، حيث قرر هؤلاء القادة أنه يمكنهم اختيار واحدة فقط من الاختراقات التاريخية المحتملة، إما أن يحاولوا تطبيق سياسة الاقتراض الجماعي لإنقاذ الدول الأعضاء التي تعاني من أزمات أو التطبيق المشترك لحكم القانون.

عندما وصف الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون نتائج قمة المجلس الأوروبي على أنها يوم تاريخي لأوروبا، كان يشير فقط لصندوق التعافي ولكن عندما يتعلق الأمر بحكم القانون فلقد كان ذلك اليوم الأوروبي يوماً نمطياً، حيث توصل قادة الاتحاد الأوروبي إلى تسوية سمحت للجميع بالإعلان عن تحقيق النصر مع ترك القضية الكامنة من دون حل وهذا بالضبط ما كانت تريده بولندا وهنغاريا.

لكن سيكون من الخطأ التوصل إلى نتيجة مفادها أن رئيس الوزراء البولندي ماتيوش مورافيسكي ونظيره الهنغاري فكتور اوربان هما أكبر الفائزين. بل إن الفائز الحقيقي هو ألمانيا والتي يمكنها أن تحافظ الآن على الضغط على الحكومة البولندية بينما تحميها من المعاناة بسبب عقوبات شديدة جداً. إن مقترح أن تخضع العقوبات لتصويت أغلبية مؤهلة لا يضمن أي شيء فالشرط نفسه ينطبق على إجراءات المادة 7 ضد هنغاريا وبولندا العام الماضي ولا تزال العملية عالقة في المجلس الأوروبي.

في واقع الأمر عندما تعلن المفوضية عن تفاصيل آلية التطبيق، فإنه سيكون من الممكن ممارسة ضغوط أكبر على بولندا وهنغاريا ولكن لن يواجه أي من البلدين مقصلة الميزانية بشكل فوري وذلك نظراً لإن الجدل المتعلق بهذا الموضوع في البرلمان الأوروبي وبين الدول الأعضاء قد يستغرق سنتين أو ثلاث سنوات.

لا يوجد أحد يريد أن يعترف علناً بالحقيقة وعلى الرغم من أن الجميع يعرفها وهي أن عزل دولة مثل بولندا أو هنغاريا لن يفيد الغرب علماً أن ألمانيا بشكل خاص ستخسر كثيراً، فالأعمال التجارية في تلك البدان وبكل بساطة جيدة جداً. إن الأهمية التجارية لمجموعة فيسغراد بالنسبة لألمانيا هي أكبر من فرنسا أو الصين أو الولايات المتحدة الأمريكية وهي تنمو بشكل سريع.

إن الشعبوية مفيدة ليس فقط للأحزاب الحاكمة في بولندا وهنغاريا ولكن أيضاً لألمانيا، وحالياً فإن هذا المبدأ يتم تدوينه ضمنياً في ميزانية الاتحاد الأوروبي.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات