التضامن مع الألمان

يانيس فاروفاكيس - وزير مالية اليونان سابقاً، وهو زعيم حزب MeRA25، وأستاذ علوم الاقتصاد في جامعة أثينا.

أثناء أسوأ الصدامات التي وقعت بين الحكومتين اليونانية والألمانية وسط أزمة اليورو، حاول مسؤول ألماني إثنائي عن الإصرار على تخفيف عبء الديون عن اليونان بحجة أن ألمانيا قد تكون غنية، لكن غالبية سكانها فقراء. في هذه النقطة الأخيرة، كان محقاً.

أكدت دراسة حديثة أن نصف سكان ألمانيا يمتلكون 1.5 % فقط من ثروة البلاد، في حين يمتلك أعلى 0.1 % دخلاً 20 % من ثروة ألمانيا. وتزداد فجوة التفاوت اتساعاً. خلال العقدين الأخيرين، كان الدخل الصافي الحقيقي الذي يحصل عليه أفقر 50 % في انخفاض في حين كان دخل أعلى 1 % في ارتفاع سريع، إلى جانب أسعار المساكن والأسهم.

على هذه الخلفية من التفاوت المتزايد الاتساع، يجب أن نحاول فهم مزاج الشعب الألماني، وخاصة المقاومة الشعبية لفكرة الاتحاد المالي لمنطقة اليورو.

من المفهوم أن يرفض العمال الألمان، الذين يواجهون صعوبة متزايدة في محاولة تدبير أمورهم، تأييد فكرة توجيه مبالغ كبيرة من المال على نحو ثابت إلى مواطني دول أخرى. فلا يعود ثراء ألمانيا المتزايد عليهم بشيء.

وهم يعلمون من خلال خبرتهم أن أي أموال ترسل إلى إيطاليا أو اليونان، تأتي منهم في الأرجح، وليس من أكثر 0.1 % ثراءً ــ ناهيك عن أن هذه الأموال ستنتهي بها الحال على الأرجح إلى جيوب الـقِـلة اليونانية الفاسدة، أو الشركات الألمانية الخاصة التي اشترت الأصول اليونانية دون مقابل تقريباً.

نتيجة لهذا، نجد أن صندوق الاتحاد الأوروبي للتعافي من الجائحة الذي نال الموافقة أخيراً بقيمة 750 مليار يورو، والمسمى «جيل الاتحاد الأوروبي التالي»، يهدد بتعميق الانقسامات عبر أوروبا، بدلاً من كونه العلاج الشافي الموحد الذي حلم به العديد من المعلقين.

بعيداً عن عدم أهمية المخطط على مستوى الاقتصاد الكلي، من الأهمية بمكان أن نلقي عليه نظرة جديدة من منظور عامل ألماني عادي ضمن فئة أدنى 50 % على جدول توزيع الثروة في ألمانيا.

عندما تدخل الرأسمالية الألمانية في أزمة، لأي سبب من الأسباب، يرتفع عجز ميزانية الحكومة الفيدرالية تلقائياً مع تدفق الفوائد على نحو غير متناسب نحو الولايات المتضررة بسبب أكبر ارتفاع في معدلات البطالة والانحدار الأكثر حدة في العائدات. مكمن الجمال في هذا الاتحاد المالي اللائق هو عدم اضطرار أي سياسي ألماني إلى اتخاذ القرار بشأن أي الولايات الألمانية تحصل على أي تحويل.

تخيل كم الرعب إذا اضطر البرلمان الألماني (البوندستاج)، أو منتدى رؤساء وزارات الولايات، إلى التفاوض على مقدار الأموال التي ستحولها كل من الولايات الأكثر ثراءً، مثل بافاريا، وشمال الراين وستفاليا، وبادن فورتمبرج، إلى كل من الولايات الأكثر فقراً، مثل تورينجيا، وساكسونيا أنهالت، وميكلنبورج فوربومرن.

وتخيل لو أنه، قبل توزيع الأموال مباشرة، كان بوسع رئيس وزراء بافاريا أن يمنع تحويل المال إلى تورينجيا لمدة تصل إلى ثلاثة أشهر من أجل التدقيق في حسابات تورينجيا العامة. إن كل هذا من شأنه أن يحطم الوحدة الألمانية، ويصيب البلاد بالشلل.

لقد وصفت للتو الانقسام القاتل الذي أدمج في صندوق جيل الاتحاد الأوروبي التالي. وكما كتبت في مكان آخر، تكاد الحال تبدو وكأن الأمر برمته جرى تصميمه من قِـبَـل أحد الماكرين من المتشككين في أوروبا.

إن من يريد توحيد أوروبا حقاً يملي عليه واجبه أن يبدأ بإظهار التضامن مع نصف ألمانيا الذي يملك 1.5 % من ثروتها. ويتعين علينا أن نثبت لأصدقائنا الألمان أن سياسات الاتحاد الأوروبي الحالية تغذي التفاوت في الثروة الألمانية، مما يضيف إلى ثروات أعلى 0.1 % دخلاً ويزيد من الصعوبات التي يواجهها الأغلبية.

أخيراً، يتعين علينا أن نوضح لهم ماذا يعني الاتحاد المالي الحقيقي: تحويل الثروة، ليس من ألمانيا إلى اليونان أو من هولندا إلى إيطاليا، بل من هامبورج، ولومباردي، وشمال أثينا، إلى تورينجيا، وكالابريا، وتراقيا.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات