أمريكا والصين وشراكة المنافسة

محمد عبد الله العريان - كبير المستشارين الاقتصاديين في أليانز، وكان رئيس «مجلس الرئيس الأمريكي باراك أوباما للتنمية العالمية» سابقاً.

يبدو أنه لا يمر يوم دون ظهور دليل إضافي يؤكد على خطورة التوترات الاقتصادية المتصاعدة بين الصين والولايات المتحدة، أكبر اقتصادين في العالم. الواقع أن هذه العداوة المتنامية سيكون لها تأثير فوري على الصين أكبر من ذلك الذي قد تخلفه على الولايات المتحدة، لأن الانفصال الثنائي يغذي عملية جارية أوسع تتمثل في انحسار العولمة.

وقد تكون الآثار السلبية غير المباشرة على مجموعة فرعية من البلدان ــ والتي أسميها اقتصادات الخيار المزدوج ــ كبيرة بشكل خاص.حتى من منظور اقتصادي بحت، من الصعب أن نتصور أي انحسار دائم للتوتّرات الصينية الأمريكية في المستقبل القريب. وهذا قبل أن نضع في الحسبان قضايا تتعلق بالأمن القومي، ناهيك عن تلك المرتبطة بالتكنولوجيا وحقوق الإنسان.

تعمل العواقب الضمنية الاقتصادية والمالية المترتبة على جائحة مرض فيروس «كورونا» 2019 (كوفيد 19) على توحيد ثلاثة قطاعات في الاقتصاد الأمريكي في الانفصال عن الصين. من غير المرجح أن تنحسر هذه الديناميكية في أي وقت قريب، وسوف تعزز بعضها بعضاً، مما يعني أن مجموع واحد زائد واحد زائد واحد أكثر من ثلاثة.

بادئ ذي بدء، صعّدت الحكومة الأمريكية مؤخراً صراع الضربات المتبادلة الطويل من خلال فرض عقوبات اقتصادية ومالية ثنائية على الصين، بدعم صريح من الحزبين في الكونغرس الأميركي.

وتعمل لعبة تبادل اللوم عن الجائحة على تعزيز الموقف الأمريكي المتزايد الصرامة، والذي من غير المحتمل أن يتغير، بصرف النظر عن نتيجة الانتخابات الرئاسية وانتخابات الكونغرس في نوفمبر.

سوف يشارك قطاع الشركات في أمريكا أيضاً في قيادة عملية الانفصال.. مما يعني نقل سلاسل التوريد الغربية إلى خارج الصين. ومن المحتمل أن تتعرض بعض الصناعات، لضغوط من الحكومات في الولايات المتحدة وأماكن أخرى لحملها على القيام بذات الشيء.

هذا لا يعني أن الشركات الغربية المتعددة الجنسيات ستتخلى عن الصين في أي وقت قريب. بل ستسعى أغلب هذه الشركات بدلاً من ذلك إلى التحرك نحو نموذج «في الصين من أجل الصين». كما ستساهم الأسر الأمريكية في الانفصال.

ورغم ذلك، فمن المرجح أنه ستكون الصين أكثر ضعفاً في هذه العملية، لأنها لا تزال في احتياج إلى الاقتصاد العالمي لتسهيل عملية التنمية المبهرة التي تباشرها.

أخيراً، ربما تخلف التوترات الصينية الأمريكية المتصاعدة عواقب كبرى على بلدان الاختيار المزدوج مثل أستراليا وسنغافورة.. وسوف تضطر هذه البلدان إلى النظر في احتمال مطالبتها بالاختيار بين القوتين العالميتين الرائدتين. ورغم أن هذا هو السؤال الأكثر أهمية في السياسة الخارجية الذي يواجه العديد من الحكومات، فإنه لم يعمل حتى الآن إلا على توليد قدر ضئيل نسبياً من المناقشة.

تشير كل هذه العوامل إلى آفاق غير مؤكدة إلى حد غير معتاد للاقتصاد الكلي والاقتصاد الجزئي والتي أصبحت أكثر عُـرضة للأخطاء السياسية وحوادث السوق.

لقد أصبح المقصد المفضل للجميع ما يسميه إيريك شميت، الرئيس التنفيذي السابق لشركة غوغل، «شراكة المنافسة» بين الولايات المتحدة والصين، والتي بموجبها لا تحول المنافسة الصحية دون التعاون والمسؤولية المشتركة التي تمثل أهمية بالغة للتصدي للتحديات العالمية الكبرى مثل تغير المناخ والأوبئة. وسوف يكمن التحدي في تجنب الانحراف الضار خلال الرحلة التي من المحتمل أن تكون طويلة ووعرة نحو تحقيق هذه الغاية.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات