الاحتجاجات السلمية وأعمال الشغب..مقارنات واحتمالات

  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
صورة

أثار مقتل جورج فلويد بطريقة وحشية احتجاجات جماهيرية ضد العنصرية النظامية في جميع أنحاء الولايات المتحدة وحول العالم. وجاء مقتل فلويد في أعقاب العديد من جرائم القتل التي ارتكبتها الشرطة في الماضي ضد أمريكيين أفارقة عُزل لم يتصرفوا بعنف. كانت معظم الاحتجاجات سلمية، لكن بعضها تحول إلى أعمال شغب مع عمليات نهب وتخريب واسعة النطاق. ولكن في حين أن الاحتجاج على وحشية الشرطة والعنصرية أمر مشروع بكل تأكيد، فهل من الممكن أيضًا الدفاع عن أعمال الشغب؟

جاء أكثر دفاع فلسفي مدرُوس عن أعمال الشغب من قبل آفيا باسترناك من جامعة لندن. تُعرّف باسترناك أعمال الشغب بأنها مظهر من مظاهر «الفوضى العامة، حيث تقوم مجموعة كبيرة من الجهات الفاعلة، بشكل عفوي، ودون تنظيم رسمي، بأعمال عنف غير قانونية، ومواجهات علنية مع رجال الشرطة».

استندت باسترناك إلى الفكرة المألوفة من مناقشات الأخلاق في الحرب، والتي تُشير إلى أنه في ظل ظروف معينة يجوز إلحاق الأذى بالآخرين - حتى الأبرياء منهم - من أجل الدفاع عن النفس ضد هجوم غير عادل. بشكل عام، تم تحديد ثلاثة شروط للقيام بذلك:

• الضرورة: لا توجد وسيلة أخرى للدفاع عن النفس ضد الهجوم الظالم.

• التناسب: يجب ألاّ يفوق الضرر الذي لحق بالآخرين الذي تم تفاديه من خلال وقف الهجوم الظالم.

• النجاح: يجب أن تكون الأعمال التي تُلحق الضرر جزءاً من استراتيجية معقولة لوقف الهجوم الظالم.

تُجادل باسترناك أن أعمال الشغب المُبررة يجب أن تستوفي هذه الشروط. بناء على حُججها، يمكننا أن نسأل ما إذا كانت أعمال الشغب التي اندلعت بعد وفاة فلويد تستوفي أيضاً الشروط المذكورة.

من السهل النظر إلى أعمال الشغب هذه باعتبارها محاولة لمنع الهجمات غير العادلة ضد الأمريكيين الأفارقة.. لكن هل تُعد أعمال الشغب هذه ضرورية في الدول الديمقراطية؟

كان هذا التغيير هو الهدف وراء تأسيس حركة «حياة السود مهمة»، وهي حركة مُناهضة للعنف تأسست قبل سبع سنوات، بعد تبرئة حارس الأحياء السكنية الأمريكي جورج زيمرمان من جميع التهم المُوجهة إليه في قضية مقتل ترايفوم مارتن، المراهق الأمريكي الأفريقي الأعزل، في ولاية فلوريدا.

حظيت هذه الحركة باهتمام وطني في عام 2014 بعد مقتل مايكل براون في مدينة فيرجسون (ولاية ميزوري) وإريك غارنر في مدينة نيويورك على أيدي رجال الشرطة. ومع ذلك، يُواصل رجال الشرطة ارتكاب جرائم القتل ضد المواطنين غير البيض الذين لا يشكلون تهديداً لهم. وبذلك، يمكننا القول على الأقل إن الوسائل الديمقراطية التقليدية قد فشلت، وأنه تم تحقيق شرط الضرورة.

هل الضرر الناجم عن أعمال الشغب لا يتناسب مع الضرر الناجم عن عمليات القتل غير المشروعة على أيدي رجال الشرطة؟ لقد بلغت الخسائر في الممتلكات مئات الملايين من الدولارات، ولكن هل يمكن مقارنة ذلك بالخسائر في الأرواح التي أدت إلى اندلاع الاحتجاجات؟

أعطت حفصة إسلام، التي كانت عائلتها تمتلك مطعماً تم إحراقه أثناء أعمال الشغب التي اندلعت في مدينة مينيابوليس من قبل المتظاهرين، إجابة واحدة وصريحة: «يمكننا إعادة بناء مبنى، لكننا لن نستطيع أبداً إعادة جورج فلويد إلى الحياة». المسألة ليست بهذه البساطة.

من المرجح أن بعض الناس سيظلون بلا مأوى لعدة أشهر أو حتى لسنوات، وهو ما كان من المُمكن تجنبه في حال عدم اندلاع أعمال الشغب. لقد خلفت هذه الحادثة تكلفة بشرية كبيرة، فضلاً عن الخسائر المالية الناتجة. حتى لو أخذنا بعين الاعتبار فقط الخسائر في الأرواح، فإن الميزانية العمومية لا تُحبذ أعمال الشغب بشكل واضح.

قد يُحاول مؤيدو أعمال الشغب السياسية الهروب من المسؤولية عن الأضرار التي يسببها أولئك الذين ينهبون المحلات التجارية أو يحرقون مساكن الأشخاص ذوي الدخل المنخفض. ومع ذلك، يجب مراعاة مثل هذه الأضرار عند تحديد ما إذا كانت أعمال الشغب مُبرّرة. بحكم طبيعتها، لا يمكن السيطرة على أعمال الشغب ويصعب الدفاع عنها نظراً إلى المخاطر المُتوقعة المُترتبة على حدوث أضرار جسيمة.

أخيراً، بعد فشل الاحتجاجات السلمية، ما مدى احتمالية نجاح أعمال الشغب؟ هناك آراء مُختلفة، لكن الدراسة التي أجراها عمر واسو بعناية حول أعمال الشغب التي اندلعت في الستينيات والتي دمرت العديد من المدن الأمريكية تُشير إلى أنها ساهمت في فوز ريتشارد نيكسون الضيق على هوبرت همفري الأكثر تقدماً. إذا كان الأمر كذلك، فقد ساعدت أعمال الشغب في تعزيز قوة الشرطة، مما سمح باستمرار الانتهاكات التي تسببت في اندلاع أعمال الشغب في عام 2020.

في خطاب له، دان مارتن لوثر كنغ الابن أعمال الشغب ووصفها بأنها «لغة من لا يسمعون». إن الطريقة الفعالة لتقليل الضرر الناجم عن المزيد من أعمال الشغب هي من خلال إثبات سماعها. يمكننا القيام بذلك من خلال دعم حركة «حياة السود مهمة» والعمل على ضمان اهتمام الشرطة بصحة وسلامة جميع المواطنين، بغض النظر عن العرق، مع أكبر قدر ممكن من الاحترام.

* أستاذ أخلاقيات علم الأحياء بجامعة برينستون.

** أستاذ مساعد في معهد الفلسفة بجامعة لودز.

بيتر سينجر *

كاتارزينا دي لازاري راديك **

طباعة Email
تعليقات

تعليقات