أهمية التعليم في تصدي أفريقيا لـ«كورونا»

إن القادة السياسيين الأفارقة مشغولون تماماً. فهناك زيادة في حالات كوفيد 19، بالإضافة إلى الأنظمة الصحية الهشة، وتزايد انعدام الأمن الغذائي، وفي بعض الحالات تصاعد الاضطرابات الاجتماعية. وبينما تنضب الإيرادات الحكومية في خضم انكماش اقتصادي، يعتبر الأكثر حدة منذ عقود، فإن الموارد المتوفرة للتعامل مع تلك التحديات تتناقص.

إن الحكومات التي تعاني حالياً من نقص في السيولة وشركاءها في التنمية الدولية محقون في وضع الصحة العامة والحماية الاجتماعية والتحفيز الاقتصادي في المقام الأول ولكن يبدو انهم ينسون واحدة من اهم أدواتهم وهي التعليم.

وتشير التحليلات الأخيرة إلى أن الحكومات تخفّض من ميزانيات التعليم استجابة للجائحة. وكما تعلمنا من الأزمة المالية العالمية سنة 2008 فإن الجهات المانحة ستحذو حذوها وبينما استطاعت الحكومات المحافظة على ميزانيات التعليم سنة 2008 وذلك من خلال إصدار الدين، فإن أعباء الدين العام الحالية في القارة مرتفعة بالفعل وظروف الاقتراض غير مواتية.

لكن التعليم هو واحد من أضخم النشاطات وأكثرها تأثيراً في أفريقيا وصناع السياسات ووكالات الإغاثة يعرضون القارة للخطر بتجاهله وفي واقع الأمر فإن الاستمرار في دعم التعليم خلال الجائحة يعني أن بإمكان الحكومات تقوية استجابة بلدانهم الفورية لكوفيد 19 وتحقيق الانتعاش طويل المدى في أربعة مجالات حيوية.

أولاً، إن التأثير الأكبر لكوفيد 19 هو على الفئات الأكثر ضعفاً في افريقيا. فقد زاد انعدام الأمن الغذائي في افريقيا بشكل يدعو للقلق، ومن المرجح أن يدفع الركود الاقتصادي بثلاثة وعشرين مليون شخص إضافي إلى براثن الفقر المدقع في منطقة جنوب الصحراء الافريقية الكبرى. ولكن عند إعادة فتح المدارس، ستكون تلك المدارس أدوات قوية من اجل تقديم الحماية الاجتماعية للعائلات التي هي بأمس الحاجة إليها، وهذا سيشجع على الحضور للمدرسة. على سبيل المثال، إن برامج المدارس التي توفر حصصاً غذائية، يمكن أخذها للمنزل وتدعم التحويلات النقدية ستحفّز العائلات التي لديها الحد الأدنى من الموارد على إرسال أطفالها إلى المدرسة بينما توفّر لهم الدعم الغذائي والاقتصادي الذين هم في أمس الحاجة إليه.

ويلعب قطاع التعليم دوراً مهماً كذلك في دعم استجابة القطاع الصحي للجائحة. وعلى سبيل المثال، فإن الرسائل الصحية التي تنقذ حياة الناس والمتعلقة بكوفيد 19، مثل الطرق الصحيحة لغسل الأيدي، إلى ارتداء الكمامات، يمكن أن تشكل جزءا من برامج وطنية للتعليم عن بعد. إن استراتيجية تمكين الأطفال بالمعرفة من اجل تغيير سلوك عائلاتهم قد أثبتت فاعليتها في حملات صحة عامة سابقة وهناك دول مثل تنزانيا وغانا واوغندا تبنت بالفعل مثل تلك الاستراتيجية لكوفيد 19 وبالإضافة إلى ذلك فإن المدارس قد لعبت بشكل منتظم دوراً مهماً كمواقع خطوط أمامية لتدخلات الصحة العامة مثل حملات التطعيم.

وبينما يؤدي عدم تقديم مساعدات كافية للفئات الأكثر ضعفاً من السكان إلى خطر إشغال الاحتجاجات والاضطرابات المدنية، فإن استمرار التعليم يمكن أن يساهم في الاستقرار الاجتماعي علماً انه خلال هذه الجائحة تظاهر الشباب والشابات في جنوب افريقيا ومالاوي ونيجيريا للاحتجاج على نقص الغذاء والاحتياجات الأساسية ولكن بإمكان الحكومات التركيز على قدرة المدارس على توزيع مساعدات الحماية الاجتماعية بحيث تستخدمها في توزيع المساعدات التي تشتد الحاجة إليها مما يؤدي إلى معالجة مظالم العائلات محدودة الدخل والتي تعاني من انعدام الأمن الغذائي.

بالإضافة إلى ذلك فإن الأبحاث المكثفة تظهر أن توفير خدمات التعليم بشكل غير عادل يزيد من خطر الاضطرابات الاجتماعية والصراع. وبدون استمرار الاستثمار في التعليم، فإن الفجوة بين من يملكون ومن لا يملكون ستتسع بشكل أكبر، حيث تستطيع العائلات الثرية شراء الفرص التعليمية لأبنائها، مما يجعل الطلبة الآخرين يتخلفون عن الركب.

إن دفع أجور المعلمين يساعد الاقتصاد. وأخيراً، فإن استمرار التعليم ضروري للإنتاجية والتنافسية فالانقطاع المطول للعملية التعليمية أو التدهور الكبير في جودتها سيؤذي التنافسية الاقتصادية لأفريقيا على المدى الطويل. إن العديد من التقديرات الحالية لفقدان التعلم بسبب كوفيد 19 ترسم بالفعل صورة مقلقة للشباب الأفريقي فزملاؤنا في معهد بروكنغز والبنك الدولي يقدّرون انه بعد أربعة اشهر فقط من إغلاق المدارس وعدم وجود تغيير يذكر في جودة التعليم فإن الأجور التي يجنيها طلاب اليوم طيلة حياتهم في الولايات المتحدة الأمريكية ستكون أقل بشكل كبير مما يمثل خسارة تصل إلى 13 % تقريبا من الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي خلال الأجيال القادمة.

إن أفريقيا متخلفة بالفعل وبشكل كبير عن المناطق الأخرى في تنمية رأس المال البشري بسبب النقص في الصحة والتعليم وطبقاً للبنك الدولي فإن مؤشر رأس المال البشري لأفريقيا حالياً هو 0.4 (على مقياس من 0 إلى 1) مما يعني أن الناتج المحلي الإجمالي للعامل سوف يزيد بنسبة 250 % لو حققت المنطقة افضل النتائج في مجالي الصحة والتعليم وعلى العكس من ذلك فإن التدهور في تلك المجالات سوف يوسّع من فجوات التنافسية بين العاملين في افريقيا ونظرائهم العاملين في البلدان الأخرى.

إن درجة الضرر الذي سوف يلحق بإنتاجية وتنافسية أفريقيا على المدى الطويل كنتيجة لفقدان التعلم سوف يعتمد على قدرة الحكومات على الاستمرار بالأنشطة التعليمية خلال الجائحة. إن التقديرات الأخيرة تظهر أن 25 % فقط من البلدان محدودة الدخل تقوم حالياً بتوفير التعليم عن بعد وبث فرص التعليم ولكن التدريس التفاعلي المصمم بعناية من خلال الراديو يمكن أن يكون فعالاً حيث تعمل وزارة التعليم في مالاوي مع منظمات المجتمع المدني من اجل تقديم تعليم فعال لمحو الأمية وتعليم الحساب عبر أجهزة لوحية تعمل بالطاقة الشمسية ولا تحتاج للانترنت. إن هذه واحدة فقط من مقاربات عديدة لحرق المراحل وتحقيق نتائج سريعة يمكن أن تؤدي لظهور أساليب جديدة وأكثر فعالية في إعطاء الشباب تعليماً جيداً خلال الجائحة وما بعدها.

لقد جعل كوفيد 19 صناع السياسة الأفارقة يواجهون وابلاً من الخيارات الصعبة ولكن لو استمرت الحكومات في الاستثمار في التعليم إلى جانب الصحة والحماية الاجتماعية ومبادرات الانتعاش الاقتصادي فإنها ستعزز من رفاهية الشباب وستحسّن من الرعاية المقدمة للعائلات والمجتمعات والبلدان.

* خبير في اقتصادات التعليم في مؤسسة الشراكة العالمية للتعليم.

* زميل تنفيذي ونائب الرئيس للاقتصاد العالمي والتنمية في معهد بروكنغز.

* زميلة تنفيذية ومديرة مشارك لمركز التعليم العالمي في معهد بروكنغز.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات