البرازيل وآفاق الديمقراطية

بعد تنحّي وزير العدل البرازيلي سيرجيو مورو، الذي يحظى بشعبية كبيرة، مؤخراً، توشك رابع أكبر ديمقراطية في العالم أن تنجرف إلى مستوى أعمق من التقلب وعدم الاستقرار.

فقد انتقد مورو في خطاب استقالته رئيس الدولة جايير بولسونارو لتدخله في ترشيح قادة الشرطة الاتحادية وتحقيقاتها. ولعل هذا التدخل أكثر ما يثير سخط معظم البرازيليين في الآونة الحالية، لا سيما وأن اثنين من أبناء بولسونارو يخضعان للتحقيق في جرائم عدة.

أنكر بولسونارو عبر خطاب متلفز ارتكابه أية مخالفات، مستخدماً في ذلك تفنيداً غير مترابط ولهجة مفعمة بالتحدي، ثم اختصني بالاسم. ووصفني بالمؤيدة للإجهاض والمناصرة لتنظيم حيازة السلاح. وبينما ينهار النظام الصحي للدولة التي يبلغ عدد سكانها 210 ملايين شخص، وينزلق اقتصادها إلى سقوط حر نتيجة لجائحة كوفيد 19، يعتقد رئيسها أن واجبه الأهم مهاجمة منتقديه.

كانت آخر مرة هاجمني فيها بولسونارو علناً في مطلع عام 2019، عقب اجتماع مع مورو، الذي كان قد رسخ بالفعل سمعة قوية بأنه قاض يحارب الفساد، وذلك بعد أن كان مورو دعاني للانضمام إلى مجلس تطوعي معني بالعدالة الجنائية وقبلت على مضض..

وحين أعلن ترشيحي للمجلس، خلال ساعات، شن كبير أعضاء جماعة الضغط الداعية لحرية امتلاك السلاح في البرازيل ومعه مدون يميني مغمور حملة لاستبعادي من المجلس. وبحلول موعد اجتماعي مع مورو، كان وسم (هاشتاج) #لا_لإيلونا قد تصدر قائمة الأكثر انتشاراً وتداولاً على تويتر في البرازيل.

وسرعان ما انضم حشد من الحسابات الآلية والمتصيدين عبر الإنترنت، إلى صفوف المهاجمين لي، زاعمين أن آرائي الرائجة على نطاق واسع بشأن ضرورة مراقبة السلاح وإصلاح العدالة الجنائية غير مرحب بها، بل وخطيرة. وفي اليوم التالي، فُصلت من المجلس بأوامر من بولسونارو.

ترمز تلك الحلقة إلى المأساة التي حلت بالديمقراطية البرازيلية.

لا يعد بولسونارو الزعيم الشعبوي الوحيد الذي يستخدم وسائل التواصل الاجتماعي لشن الحروب ضد خصومه السياسيين، والتملص من القواعد والأعراف الديمقراطية.

حيث نجد القادة بدءاً من الولايات المتحدة والهند والفلبين حتى المجر وروسيا، يوظفون أدوات العصر الرقمي للاستيلاء على الفضاء المدني وممارسة السطوة على المجتمع المدني. ومن خلال إغراق الفضاء الإلكتروني بالمعلومات المضللة واستخدام لغة خطاب مثيرة للشقاق، يقوم أتباع النظام بتقويض مبادئ مساءلة الحكومة وحرية التعبير والصحافة، وإذكاء روح العنف.

إن إغلاق الفضاء أمام المشاركة المدنية والتشاور العقلاني لهو أمر مدمر لعملية صنع السياسات العامة والصالح العام ككل.

وفي ظروف كالتي تفرضه جائحة كوفيد 19، تكون هجمات الأنظمة المستبدة على وسائل الإعلام المستقلة والعلم وأصوات المعارضة مدمرة بالفعل، كونها تقوض بشكل مباشر الصحة العامة وتؤجج الاضطراب الاجتماعي. وفي ظل حكم بولسونارو، تتجه البرازيل إلى أن تصبح البؤرة الجديدة للوباء العالمي، فقد ارتفعت بشدة مستويات العدوى في المدن التي صوتت للرئيس.

يتعين على جماعات المجتمع المدني والمواطنين العاديين في البرازيل والديمقراطيات الأخرى المنكوبة أن يعملوا على استعادة الفضاء المدني قبل أن يُغلق بالكامل.

وتتمثل نقطة البداية هنا في رفع الوعي بما يفعله الزعماء المستبدون وأذنابهم، لا سيما في هذا الوقت الذي تشن فيه كل الحكومات «حرباً على كوفيد 19». فالطوارئ الحقيقة تنشأ عندما تشتد الحاجة للمؤسسات الديمقراطية، بعيداً عن اختلاق المبررات لتعليق القواعد والعمليات الديمقراطية.

غير أن إعادة فتح الفضاء المدني سيتطلب أيضاً زعامة سياسية، وهو ما يندر وجوده للأسف هذه الأيام. فقد يكون بولسونارو وحكومته أول من تطيح بهم جائحة فيروس كورونا لإخفاقهم تماماً في توحيد البرازيليين في مواجهة الأزمة الحالية. وهناك طرق ثلاث محتملة على الأقل للإطاحة به قبل انتخابات 2022:

توجيه الاتهام إليه من قبل المجلس الوطني (الكونغرس)، أو إدانة المحكمة العليا له بجرائم عادية، أو إبعاده من قبل المحكمة الانتخابية الوطنية بسبب مخالفات سلوكية مزعومة خلال حملته لانتخابات عام 2018.

يموت آلاف البرازيليين بلا داع من جراء انتشار فيروس كورونا، وتتجه البلاد صوب ركود حاد، بينما حجم إزالة الغابات في الأمازون يصل مستويات لم تُرَ منذ عام 2015. وما يزيد الأمور سوءاً وتعقيداً بالنسبة للرئيس قيام المحكمة العليا الآن بفتح تحقيق جنائي في ادعاءات مورو بوجود تدخل سياسي في الشرطة الاتحادية.

رغم كل ذلك، كان رد فعل بولسونارو الوحيد التمادي في الاستئساد على الخصوم ومضاعفة الخطب الرنانة. بل إننا نجده يغازل فكرة العودة للحكم الاستبدادي، في ظل عدم وجود رغبة أو قدرة على دعم الديمقراطية. إن صرخات كهذه تتطلب قيادة مركزة وقديرة، وبولسونارو ومن هم على شاكلته من الشعبويين حول العالم عاجزين عن تقديم ذلك، وكلما طال بقاؤهم في السلطة، سيهلك المزيد من الناس.

* الشريكة المؤسسة والمديرة التنفيذية لمعهد «إيجارابي»

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات