الشعبويون واستغلال فرصة الجائحة

أندريس فيلاسكو - مرشح رئاسي ووزير مالية شيلي سابقاً، ويشغل حالياً منصب عميد مدرسة السياسة العامة في كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية.

أصدر الرئيس الفلبيني رودريجو دوتيرتي أوامره لقوات الشرطة والجيش برمي أي شخص «يخلق المشاكل» خلال فترة البقاء في المساكن بالرصاص. وفي المكسيك، أنكر الرئيس أندريس مانويل لوبيز أوبرادور لأسابيع أن الفيروس يمثل أي تهديد واستمر في معانقة المؤيدين ومصافحة أيديهم، لكنه انقلب على عقبيه فجأة ليفرض تدابير الإغلاق الصارمة دون سابق إنذار.

لقد تصدر القادة الشعبويون من اليمين واليسار مراتب انعدام الكفاءة خلال الجائحة، حتى بات من الشائع الزعم بأنهم ربما يصبحون قريباً ضحاياها السياسيين. من المؤسف أن هذا قد يكون مجرد أمانٍ. صحيح أن الفيروس قاتل شرس لا يرحم، لكنه وحده لا يكفي لتسطيح منحنى عدوى الشعبوية.

كان لهذه الأزمة منتج ثانوي صحي: والذي تمثل في استعادة قدر متواضع من الاحترام للخبرة. من المؤكد أن الشعبويين الجامحين ليسوا وحدهم الذين يفسدون الأمر. فهناك رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، ورئيس الوزراء الإيطالي جوزيبي كونتي ــ وهما ليسا من القادة الشعبويين، وإن كان لكل منهما شركاء شعبويون صغار في حكومته الائتلافية ــ اللذان يحملان الآن سجلاً لا يحسدان عليه بين الدول الرائدة التي تتصدر القائمة العالمية لنصيب الفرد في الوفيات الناجمة عن فيروس «كورونا».

ولكن من قال إن الحقائق تحرك التفضيلات السياسية على أية حال؟ بل ربما يكون ثِـقَـل الأخبار الزائفة والسياسات القائمة على الهوية في ازدياد، وليس في تراجع، في عصر جائحة مرض فيروس «كورونا» 2019 (كوفيد - 19).

إن إثبات العلاقات السببية أمر صعب (هل عمليات الإغلاق فعّـالة في إبطاء معدل انتشار العدوى؟ هل التوسعات المالية فعّـالة في انتشال الاقتصاد من الركود؟)، وعلى هذا فإن أغلب الناس لا يتوقعون الوصول إلى إجابات من تلقاء ذاتهم. بل يتطلعون بدلاً من ذلك إلى الآخرين الذين يزعمون أنهم يعرفون، ثم يتبعون قاعدة بسيطة: «أنا أصدق الناس الذين يمكنني التعرف عليهم، الذين يتحدثون ويتصرفون مثلما أفعل، والذين من المرجح أن يشاركونني ذات القيم التي أحترمها ويتخذون القرارات التي كنت لأتخذها لو كنت أملك ما يكفي من المعلومات».

هذا هو السبب وراء ثقة الناخبين في الساسة الشعبويين وانعدام ثقتهم في المؤسسة السياسية، وقادة المؤسسات التقليدية، وحتى وقت قريب الخبراء والتكنوقراط. وعلى هذا فإن مكسب أو خسارة الشعبويين من الجائحة تتوقف على ما إذا كانت الأزمة لتعزز الثقة في المؤسسات الديمقراطية أو تضعفها.

أستطيع أن أتخيل ردين مختلفين تمام الاختلاف على السؤال الثاني. يتمثل الرد الأول في ما حدث في عام 2010: فكما رأى العديد من الناخبين الأمر، بعد الأزمة المالية العالمية حظي وال ستريت، حيث المال والأعمال، بعملية إنقاذ، في حين كان نصيب بقية الناس في مين ستريت البطالة وحبس الرهن العقاري.

كان التعافي الاقتصادي بطيئاً في بعض البلدان؛ وفي بلدان أخرى مثل اليونان استمرت الأزمة لما يقرب من عشر سنوات. أضف إلى هذا مِـلعَـقة من الفساد، وقليلاً من عدم الكفاءة، ومقداراً ضئيلاً من الفضائح المشوقة، التي تراوحت من الاتحاد

أما الرد البديل فيرجع إلى عام 1945. من أنقاض الحرب وخرابها، نشأ نوع من الثقة الاجتماعية الدائمة.

إن الثقة في مؤسسة عامة وفي الجيران أمر ضار بالشعبوية، ويدرك الساسة الشعبويون هذا. ولهذا السبب، يطالب سانتياجو أباسكال، زعيم حركة فوكس (Vox) اليمينية المتطرفة في إسبانيا بمنع التصفيق والأناشيد المتحمسة التي تصاحبه. ويريد بدلاً من ذلك أن يقرع الإسبان القدور والمقالي احتجاجاً على الحكومة.

ربما بدأ منحنى عدوى الفيروس يتسطح، لكن منحنى البطالة ومنحنى إفلاس شركات الأعمال في ارتفاع. وإذا أتى في أعقاب صدمة الصحة العامة أزمة اقتصادية مطولة تتسبب في تخلف كثيرين عن الركب، فسوف تعاني الثقة في الحكومة والمؤسسات وتزداد الهويات الوطنية انقساماً وتفتتاً. وبهذا تتكرر وقائع 2010 من جديد ــ أو ما هو أسوأ. بالاتحاد نصمد، ومع الفُـرقة والانقسام يأتي السقوط، ولن يكون الديمقراطيون الليبراليون هم من يلتقطون القطع المحطمة.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات