الوباء ليس كالحرب العالمية الثانية

على الرغم من أن هناك شعوراً بأن جائحة «كوفيد 19» تعتبر غير مسبوقة، فإنها ليست المرة الأولى التي تتسبب فيها قوى خارجية بتعطيل الحياة العامة بشكل كبير جداً.

إن أكثر مقارنة شيوعاً هو الحشد الأمريكي للحرب العالمية الثانية، ففي ديسمبر من سنة 1940 - قبل عام تقريباً من «بيرل هاربر»، وبينما وقفت بريطانيا وحيدة تقريباً في مواجهة العدوان النازي- أعلن الرئيس الأمريكي فرانكلين د روزفيلت «يجب أن نكون ترسانة عظيمة للديمقراطية».

إن ما حصل هو أن أول شرح شامل للحشد الصناعي الأمريكي للحرب «الصراع من أجل البقاء» كتبه والدي ايليوت جاينواي سنة 1951 ونتيجة لذلك فلقد كبرت وأنا لديّ معرفة متوارثة محددة- تم تعزيزها لاحقاً- عن الاقتصاد السياسي لتلك الحقبة، والتي تضمنت تفاعلاً عميقاً ومعقداً بين لوجستيات الإنتاج والتعبير السياسي عن المصالح المتنافسة للقطاعين العام والخاص، والظهور الذي ينطوي على مشاكل للمديرين الفعالين وأساليب الإدارة.

إن الدرس الأول من الأدبيات التاريخية لتلك الحقبة هو أن التحديات التي نواجهها اليوم مختلفة بشكل أساسي عن تلك التي واجهها جيل الحرب العالمية الثانية مع وجود عنصر مشترك واحد، يتمثل في الإغلاق الإجباري للاقتصاد المدني. إن توجيه الاقتصاد الأمريكي بشكل كامل للإنتاج العسكري جاء بعد أن بدأ التعافي العشوائي الطويل الأمد من الكساد العظيم بترسيخ أقدامه أخيراً ولكن بعد سنة 1940 تم استبدال الغالبية الساحقة من الطلب المدني على المنتجات والخدمات بالطلب العسكري.

وبينما نجحت الحملة العسكرية الألمانية الخاطفة في اكتساح أوروبا الغربية في صيف سنة 1940، دعا روزفيلت لزيادة إنتاج الطائرات الحربية إلى ما لا يقل عن 50 ألف طائرة بالسنة وفي ذلك الوقت كان سلاح جو الجيش يتألف من أقل من 5000 طائرة وبحلول سنة 1943 و1944 كانت الولايات المتحدة الأمريكية تنتج بالمعدل 90،000 طائرة سنوياً.

وذلك بسبب البرنامج المنضبط لتخصيص ثلاث مواد حيوية – الفولاذ والنحاس والألمنيوم – من خلال المقاولين لتغطي كامل سلسلة التوريد، وبالإضافة إلى تطبيق أولويات الإنتاج، كان البرنامج فعالاً لأنه أعفى الشركات من البيروقراطية والروتين المبالغ به.

إن هذا الشرح المختصر يعكس الاختلاف الأكثر أهمية بين ذلك الزمان والوقت الحاضر...

وهناك مسألة زيادة إمدادات مستلزمات الحماية الشخصية للطواقم الطبية مثل الكمامات «إن 95» والملابس الطبية الواقية بالإضافة إلى أجهزة التنفس على قمة الأولويات، وتأتي بعدها وعلى المدى القصير جداً مهمة استخدام اختبارات فعالة لحالات الإصابة بـ«كوفيد 19» الحالية والسابقة على المستوى الوطني، وبعد ذلك وعلى المدى القصير والمتوسط يأتي تحدي إنتاج اللقاح.

لا توجد أسرار في ما يتعلق بمن سوف ينتج تلك العناصر وكيف. إن وجود اختبارات أفضل ولقاح يتطلب أبحاثاً وتطويراً بشكل مكثف بالإضافة إلى الوقت من أجل عمل الاختبارات السريرية، وفي كلتا الحالتين فإن تصميم العمليات التقنية واللوجستية المرتبطة بذلك ليست بالمهمة الشاقة.

نظراً للبساطة النسبية لتحدي الإنتاج اليوم، فإن حقيقة أن استجابة الولايات المتحدة الأمريكية تشبه الحالة الأولية للحشد المتعلق بالحرب العالمية الثانية تعكس مستوى استثنائياً من الوضع في قلب الحكم.. بالإضافة إلى ذلك ومع قانون الإنتاج الدفاعي لسنة 1950 فإن الحكومة الفيدرالية لديها الآن كل شيء تحتاج إليه لتحريك الإنتاج وإدارة تخصيص الإمدادات الحيوية.

إن من الدروس المستفادة من الفترة الممتدة من سنة 1940 إلى سنة 1943 أن قانون الإنتاج الدفاعي يخّول الرئيس أن يطلب من الشركات أن تضع العقود الصادرة بموجب التوجيهات الفيدرالية على رأس أولوياتها كما يخّول القانون الرئيس أن يضع الأحكام، وأن يؤسس الوكالات حسب الحاجة.

لقد قام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتفعيل قانون الإنتاج الدفاعي وإن كان متأخراً من أجل إصدار العقود للمزيد من أجهزة التنفس والكمامات الطبية ولكنه لم يضع أي آلية من أجل تخصيص تلك المستلزمات مركزياً طبقاً لاحتياجات الصحة العامة.

إن التحدي الفريد من نوعه تاريخياً والذي نواجهه في الوقت الحاضر هو أن جانب العرض من الاقتصاد الأمريكي يتطلب دعماً مالياً حيوياً وحتى لو كانت الولايات المتحدة الأمريكية تتمتع بالكفاءة والقدرة المؤسساتية على تكرار نجاح التجربة الألمانية في العمل لوقت قصير.

والمتمثل في التمويل الحكومي المباشر لدعم دفع الرواتب من أجل منع تسريح العمل فإن التحدي سيكون ضخماً لكن مهما يكن من أمر فإن إدارة جانب الطلب من الأزمة يجب أن يكون بسيطاً نسبياً ومهمة مباشرة وبسيطة. إن حقيقة أن الولايات المتحدة الأمريكية قد فشلت في تحقيق ذلك يعكس قدرات الزعيم أكثر من طبيعة الأزمة نفسها.

* مؤلف كتاب «ممارسة الرأسمالية في اقتصاد الابتكار» وهو شريك خاص محدود في شركة الأسهم الخاصة واربيرغ بينكوس.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات