مستقبل العزلة التي تفرضها الجائحة

زيجمار جابرييل - نائب مستشار ألمانيا ووزير خارجيتها سابقاً، ويشغل حالياً منصب رئيس مجلس إدارة Atlantik-Brücke.

لا تسعى دول مهمة إلى التعاون مع الدول الأخرى في مكافحة جائحة مرض فيروس «كورونا» (COVID-19)، ما يجعل المعركة العالمية ضد الفيروس منكسرة متصدعة.

وعلى نحو أكبر كثيراً من النزاع الأمريكي- الأوروبي حول دور منظمة حلف شمال الأطلسي، يُـظـهِـر الصمت المحيط بالجائحة بين الجانبين أن المرء لا يستطيع أن يتحدث عن مجتمع عبر الأطلسي. الأسوأ من ذلك أن دولاً تلجأ إلى نظريات المؤامرة.

ومن المؤكد أنه هناك أشياء لم تكن متوقعة في هذه الجائحة، فليست الولايات المتحدة أو أوروبا هي التي تقدم حالياً أكبر دعم لإيطاليا، أو إسبانيا، أو أفريقيا؛ إنها الصين، التي أرسلت الفرق الطبية والإمدادات. نادراً ما كان من الممكن أن نلاحظ بهذا القدر من الوضوح كيف أن الصين تحل محل الزعامة العالمية الغربية.

خلال فترة الركود العظيم التي أعقبت الأزمة المالية العالمية في عام 2008، لم تكن الصين قوية بهذه الدرجة، ولم تكن الولايات المتحدة على هذا القدر من الأنانية، والانكفاء على الذات.

بعد فترة وجيزة من قيادة مشعوذي الأسواق المالية أنفسهم وبقية العالم إلى الهاوية، التقى وزراء مالية أكبر 20 اقتصاداً في العالم لمناقشة الاستجابات المشتركة. وحتى الآن، على الرغم من القمة الافتراضية الأخيرة، لم تلعب مجموعة العشرين دوراً مماثلاً.

حتى قبل ظهور مرض فيروس «كورونا 2019»، كانت الخصومة بين الولايات المتحدة والصين عاملاً أساسياً في تقرير دور أوروبا العالمي.

ومن الواضح أن أوروبا ستكون مهمشة في عالم «مجموعة الاثنتين»، حيث تهيمن الولايات المتحدة والصين، حتى برغم أن ازدهار أوروبا مرتبط مباشرة بانفتاح الأسواق العالمية، لكن دور أوروبا العالمي سيتحدد أيضاً من خلال الكيفية التي تتعامل بها مع أزمة مرض فيروس «كورونا 2019»، ومن الواضح أن الجائحة تعمل على إضعاف وحدتها، إلى حد اليأس تقريباً. كان فشل الاتحاد الأوروبي ذريعاً حتى الآن.

الأمر ببساطة أن فيروس «كورونا» ليس العدوى الوحيدة التي تهدد أوروبا، ففي حين تناضل إيطاليا وإسبانيا لاحتواء الجائحة، استسلمت مجموعة اليورو للفيروس ذاته المتمثل في شعار «بلدي أولاً».

الواقع إن فكرة تعليق الموافقة على مساعدة بلدان منطقة اليورو المتضررة على شرط تنفيذها لبرامج إصلاح كبرى غباء سياسي يستعصي على أي محاولة لفهمه، ولا يملك المرء إلا أن يأمل أن يكون رؤساء الحكومات أكثر ذكاء من وزراء ماليتهم- كما كان القادة في عام 2015.

لا يزال الوقت متاحاً لتغيير المسار في أوروبا ــ وعلى المستوى الدولي، ولكن لعل العاقبة الأشد خطورة التي قد تترتب على أزمة مرض فيروس «كورونا» هي أن يكون الشكل الوحيد المتوفر من الحماية للمواطنين هو الدولة القومية.

ونتيجة لهذا فإن فيروس «كورونا» لا يهدد الناس وحسب، بل يهدد مشاريع التوحيد الدولية أيضاً، بما في ذلك الاتحاد الأوروبي، الذي تأسس وبُــني بشق الأنفس لإنهاء قرون من الحروب في القارة.

إن قدرة أوروبا على التغلب على الأزمة، والحفاظ على وحدتها، والاضطلاع بدور عالمي ذي مغزى، ستتوقف على ما إذا كانت قادرة على تقديم بديل صالح لمبدأ «انجُ بنفسك إن استطعت». ولن يتبين لنا هذا إلا إذا تحمل الجميع المسؤولية عن مستقبل أوروبا، حينئذ فقط تصبح مجتمعاتنا قادرة على التحرك في الاتجاه الصحيح.

بطبيعة الحال، هذا يعني أيضاً التحرك إلى المجهول، الأمر الذي يتطلب الشجاعة. لا نستطيع أن نجيب عن كل سؤال بشكل قاطع، ولكن في محاولة التغلب على أزمة مرض فيروس «كورونا»، تسنح الفرصة لأوروبا لتعيد اختراع ذاتها، ولا يجوز لنا أبداً أن نهدر هذه الفرصة.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات