استراتيجية اقتصادية متماسكة لمواجهة «كورونا»

صورة

تحتاج الولايات المتحدة إلى استراتيجية اقتصادية أوضح للتعامل مع جائحة «كوفيد - 19». ورغم أن الأزمة فريدة من عدة نواحٍ، يبدو أن نهج السياسة الاقتصادية الذي أعقب الهجمات الإرهابية التي حدثت في 11 سبتمبر 2001، هو النظير التاريخي الأكثر نجاحاً.

وعلى غرار ما يحدث اليوم، تضمنت تلك الأحداث هجوماً مفاجئاً هدد الاقتصاد بكامله، ما استدعى استجابة سريعة. وكانت المهمة المباشرة، هي قطع مصادر تمويل القاعدة والمتعاونين معها، دون تعطيل التدفقات المالية، والنشاط الاقتصادي، والعلاقات المتبادلة اللازمة للنمو الاقتصادي.

وفي النهاية، أثبتت هذه الاستراتيجية نجاحها. ولم يتراجع الاقتصاد، وفي وقت لاحق، منحت لجنة الحادي عشر من سبتمبر، استجابة السياسة الاقتصادية درجة «أ»، وهي الوحيدة التي لديها حتى الآن.

إن وجود استراتيجية معينة أمر ضروري. ولكن من المهم أيضاً أن تصف الاستراتيجية المشكلة الاقتصادية المطروحة وصفاً دقيقاً. وبعد ذلك، ينبغي أن تقدم سياسات محددة قصيرة وطويلة الأجل، لمواجهة هذه المشكلة، كما يجب أن تفسر بوضوح، كيف ستحقق تلك التدابير غاياتها المقصودة. وأخيراً، يجب أن تتضمن الاستراتيجية أيضاً، خطة لتوجيه التنفيذ من قبل الإدارات الحكومية ذات الصلة، والقطاع الخاص، وحلفاء الولايات المتحدة في جميع أنحاء العالم.

واليوم، تكمن المشكلة الكبرى في أن الجهود المنطقية الأخرى، التي تهدف إلى الحد من انتشار «كوفيد - 19» مثل فرض الحجر المنزلي، والإبعاد الاجتماعي، وإغلاق الشركات، وقيود السفر، تضرب الاقتصاد بقوة، وستستمر في ذلك لبعض الوقت.

وبعد إصدار كل من الحكومة الفيدرالية الأمريكية، والعديد من حكومات الولايات -بما في ذلك كاليفورنيا، ونيويورك، وواشنطن- أوامر تقيد التجارة بدرجات متفاوتة، بدأ الناس يقلقون من أن العلاج قد يكون أسوأ من المرض.

ولكن إجراءات الحد من العدوى، ليست التهديد الوحيد للاقتصاد والأسواق، فعلى سبيل المثال، المبالغ التي تدفع مرة واحدة للأسر، رغم أنها منطقية، لأنها عمل إنساني، لن تفتح الأسواق، ولن تمنح الشركات حافزاً للتوظيف.

وتُظهر التجربة السابقة -أي مدفوعات الاسترداد التي صدرت بعد بداية الأزمة المالية لعام 2008- أن إجراءات «التحفيز» هذه لا تحفز في الواقع. ولأن الناس يفترضون أن التعويضات ستكون مؤقتة، فإنهم يميلون إلى ادخارها بدلاً من إنفاقها.

ومن المؤكد أن بعض عناصر استجابة الولايات المتحدة، تلائم الأسواق أكثر، وتتضمن هذه العناصر، إنشاء مجلس الاحتياطي الفيدرالي لِمرافق جديدة، من أجل الحفاظ على تدفق الائتمان، والجهود التي يبذلها القطاع الخاص لتوسيع مرافق الرعاية الصحية، وإنتاج المزيد من معدات الحماية الشخصية للعاملين في قطاع الرعاية الصحية، وللمرضى. ولكن هذه الإجراءات تعتبر استثناءات. إن الاتجاه الأوسع، لم يكن لصالح سياسات السوق الحرة الضرورية للنمو الاقتصادي.

والأهم من ذلك، أن الولايات المتحدة، ليس لديها استراتيجية واضحة، وهذا هو السبب في تعثر الردود التدريجية الأخيرة.

ويجب ألا تكون سياسات فتح الأسواق غير متسقة مع سياسات الصحة العامة السليمة. وينبغي على الحكومة الفيدرالية، ألا تتقاعس عن تشجيع المزيد من المعاملات في السوق، وأن تتنحى عن محاولة خنق كل النشاط الاقتصادي.

والوقت مناسب الآن، ليطلب الناس (عبر الإنترنت)، دراجة بيلوتون للتمارين الرياضية، التي يبلغ سعرها 2000 دولار، والتي سمعوا عنها، أو تحديث أجهزة الكمبيوتر المنزلية الخاصة بهم. ولتسهيل التجارة الإلكترونية خلال الأزمة، يمكن لإدارة الطيران الفيدرالية، تخفيف قيودها على استخدام الطائرات بدون طيار، لتسليم الطلبات إلى البيوت، خاصة الآن، حيث تراجع عدد رحلات الخطوط التجارية الجوية.

وبالنسبة إلي، أقدم دروس دورة الربيع في الاقتصاد عبر الإنترنت. ووفقاً لتقييمات الطلاب التي توصلت بها، فإن الدروس جيدة تماماً، مثل الدورة التدريبية في الحرم الجامعي، التي قدمتها لسنوات.

وتخلق الأزمة أيضاً، فرصة للإصلاح التنظيمي. إذ يمكن لاستراتيجية الولايات المتحدة، أن تسعى لإلغاء العديد من القوانين التي تعيق النمو، أو على الأقل تعليقها -مع فرض وقف اختياري على القوانين الجديدة، التي قد تؤدي إلى تقويض فرص العمل.

وأحد القوانين التي يجب البدء بإصلاحها، هو قانون البحرية التجارية لعام 1920 (قانون جونز)، الذي يقيد نقل البضائع بين موانئ الولايات المتحدة، من خلال اشتراط أن يتم نقلها على سفن أمريكية الصنع، وتتولى تشغيلها جهات أمريكية. وسيؤدي إلغاء هذه القاعدة، إلى خفض تكاليف الشحن، وفتح المزيد من قنوات التوزيع. كما ستتسق المقترحات طويلة الأمد، لتبسيط موافقة إدارة الغذاء والدواء على الأدوية الجديدة، مع الاستجابة للوباء والنمو الاقتصادي.

وعلى نفس المنوال، فإن إلغاء الترخيص المهني، سيفتح قطاعات من سوق العمل للأشخاص الذين تم تسريحهم لفترة طويلة. لقد انتشر وباء الترخيص غير الضروري على مر السنين، ليشمل الجميع، بما في ذلك المرشدين السياحيين، وباعة الزهور، ومصممي الديكور الداخلي.

وهذه ليست قضية حزبية. وفي عهد الرئيس السابق باراك أوباما، خلص مجلس المستشارين الاقتصاديين في البيت الأبيض، إلى أن متطلبات الترخيص الجامحة «ترفع أسعار السلع والخدمات، وتحد من فرص العمل، وتجعل من الصعب على العمال نقل مهاراتهم عبر حدود الولاية».

وأخيراً، يجب أن يعتمد الكونغرس، اتفاقاً بين الحزبين، يقضي بأنه لن تكون هناك زيادات ضريبية في المستقبل المنظور. وسيوفر هذا الالتزام وحده دفعة اقتصادية حقيقية، وسيكون موضع ترحيب خاص الآن، حيث يطالب البعض بالفعل بزيادة الضرائب. ومن المؤكد أن أصوات زيادة الضرائب، ستعلو بمجرد أن يبدأ العجز الناتج عن استجابة السياسة الاقتصادية في النمو.

وخلاصة القول، أن المشكلة الاقتصادية الكبرى اليوم، هي أن الاستجابة للوباء، تقيد الأسواق، بدلاً من أن تفتحها. ورغم أنه سيكون هناك ضغط لتخفيف هذه القيود في الأسابيع المقبلة، فإن الاستراتيجية الأفضل، هي استخدام المزيد من إجراءات فتح السوق، التي تتماشى مع مقتضيات الصحة العامة. ويجب على الولايات المتحدة، اتخاذ خطوات للحد من القوانين المدمرة للوظائف، وتجنب زيادة الضرائب التي تعوق النمو، قبل فوات الأوان.

* وكيل وزارة الخزانة الأمريكية في الفترة ما بين 2001 و2005، ويشغل الآن منصب أستاذ علوم الاقتصاد بجامعة ستانفورد، وهو كبير زملاء معهد ستانفورد هوفر.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات