الوباء و«المجهول» والترقب

راج بيرسود - طبيب نفسي مقيم في لندن، وهو المؤلف المشارك مع بيتر بروجين لكتاب «دليل الرجل المحنك إلى أفضل رعاية للصحة العقلية».

بينما يجد الناس في مختلف أنحاء العالَم أنفسهم قيد الحبس بغرض السيطرة على جائحة مرض فيروس «كورونا» 2019 (COVID-19)، لا ينبغي لنا أن نغفل عن مسألة أخرى كانت معدلات الإصابة بعدواها أعلى من أي فيروس. إنه الـترقب وعدم استثمار البعض لفترة الجلوس بالمنزل بشكل خلّاق.. إذ تحوّل ذلك الآن إلى تهديد لدى البعض.

تُـرى هل تكون الحال أننا كلما أصبحنا أكثر انشغالاً بالمخاطر البدنية التي يفرضها الفيروس، قللنا من شأن الأضرار العقلية الناجمة عن ذلك، على سبيل المثال، الحالات العاطفية؟

يعتقد بعض المحللين النفسيين أن عدم قدرتنا تكييف أنفسنا بشكل فاعل في هذه الفترة والاستسلام للملل، إذا ترسخ، من الممكن أن يتحوّل إلى حالة عصبية تسمى «alysosis». تاريخياً، ارتبط الضجر بالـمَلل في محل العمل. على النقيض من ذلك، تُـعَـد جائحة الرتابة التي نواجهها اليوم شكلاً غير عادي من أشكال ما يسميه علماء النفس «مَـلل الفراغ».

لأن كثيرين لم يواجهوا مثل هذا النوع من الـمَلل من قبل، فربما يكون تعاملهم معه أسوأ. الواقع أن بعض التقارير ربطت بين الضجر الشديد ومجموعة من المشاكل.

إن الـمَلل ليس من مجالات التحقيق الجديدة. في رواية «رسائل من العالم السفلي» (أو «الرجل الصرصار»)، كتب فيودور دوستويفسكي: «بالطبع الـمَلل قد يقودك إلى أي شيء. إنه الـمَلل الذي يغرس في أجساد الناس دبابيسه الذهبية، لكن كل هذا لا يهم كثيراً. المؤسف في الأمر حقاً (هذا تعليقي مرة أخرى)، هو أنني أستطيع أن أقول بجرأة إن الناس يصبحون بعد ذلك شاكرين لهذه الدبابيس الذهبية».

كَـشَـفَـت أحدث الأبحاث النفسية في الـمَلل عن ميل الضَـجَـر والتبرم إلى دفع الناس إلى اختيارات ليست سوية في حال لم يخططوا جيداً ويكونوا عقلانيين متفهمين، والإفراط في المجازفة، والاندفاع.

في عام 2016، نشر العالمان النفسيان ويجناند فان تيلبورج من جامعة إسكس، وإيريك إيجو من جامعة ليميريك، دراسة في المجلة الأوروبية لعلم النفس الاجتماعي بعنوان «اختيار التطرف السياسي في الاستجابة للـملل». يشير الباحثان إلى أنه كان من المعتقد سابقاً أن «التهديدات الوجودية» تدفع الناخبين إلى تبني اختيارات سياسية غير سوية. إلا ان الثابت أن النهج العقلاني والتفكير المنطقي لاستثمار أوقات الجائحة بما يفيد، أمور تتصدى لكل هذا.

يذكر تيلبورج وإيجو في تقريرهما أن أولئك الذين يتبنون آراء سياسية أكثر راديكالية يزعمون أنهم يتمتعون بفهم أعظم وأعمق للعالم، حتى وإن كانت تفسيراتهم مفرطة في التبسيط أو غير صحيحة. وعلى هذا فإن سيكولوجية الحالة من هذا القبيل تدفعنا عندما نواجه تهديداً كبيراً إلى البحث عن اليقين والترابط، في حين يساعد الميل إلى الـضَـجَـر إلى تحفيز البحث عن المعنى في تفسير التحولات المجتمعية التي يحدثها.

تشير هذه الحجة إلى أن الجائحة الفيروسية الحالية تمثل «ضربة مزدوجة» تدفع العالم بقوة أكبر نحو ااتجاهات خطرة في حال لم نتنبه جيدا. فبالإضافة إلى البقاء في البيت، والأعراض الشبيهة بأعراض الإنفلونزا، والوفيات، تفرض جائحة مرض فيروس «كورونا» 2019 أيضاً تهديداً قوياً متنوعاً. علينا أن نعي جيداً كيف نوظف طاقاتنا بشكل مثمر في هذه الأيام، لنتغلب نفسياً على آثار الجائحة قبل كل شيء.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات