«كورونا» ونهاية التعاملات النقدية

لأن التبادل اليدوي للعملات النقدية بأشكالها المادية من الممكن أن ينقل فيروس كورونا، فقد باتت البلدان في مختلف أنحاء العالم مضطرة إلى إعادة النظر في استخدام النقد.

الواقع أن مرض فيروس كورونا (COVID-19) ربما يصبح العامل المحفز الذي يساعد أخيراً في جلب المدفوعات الرقمية بالكامل إلى الاتجاه السائد. وليس من المستغرب أن تركز صناعة المدفوعات الرقمية بالفعل على الفرص التي أوجدتها الأزمة.

من جانبها، بدأت حكومة الصين في تطهير بل وحتى تدمير الأوراق النقدية للتخفيف من انتشار الفيروس، على الأقل في الأمد القريب.

على سبيل المثال، ذَكَر تقرير صادر عن صحيفة South China Morning Post في هونغ كونغ أن فرعاً محلياً لبنك الشعب الصيني في مقاطعة جوانجدونج يدمر الأموال التي ربما جرى تداولها في أماكن عالية الخطورة مثل المستشفيات وأسواق الطعام. وخوفاً من استيراد عملات ملوثة من آسيا، بدأ بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي فرض إجراءات الحجر على الدولارات المادية القادمة من المنطقة.

ربما تكون مثل هذه التدابير مبررة، خاصة وأن العملة المتداولة من الممكن أن تعمل كأداة لنقل مسببات الأمراض ــ مثلها كمثل البعوض. وقد وجدت الدراسات أن الإنفلونزا البشرية، على سبيل المثال، من الممكن أن تظل حية ومعدية على الأوراق النقدية لمدة 17 يوماً. وعلى هذا، فلن يكون من غير المعقول أن نفترض أن العملة المادية لعبت دوراً في نشر مرض فيروس كورونا 2019 أيضاً.

على أية حال، سوف تدرس بلدان عديدة خيار تطهير العملة أو تدميرها وإعادة طباعتها.

وأياً كان القرار الذي ستتخذه هذه البلدان، فإن نتيجة واحدة تبدو مؤكدة بالفعل: سوف يعمل فيروس كورونا على التعجيل بالتحول الجاري بين السكان الأصغر سناً نحو المدفوعات الرقمية، وخاصة في آسيا، وعلى وجه التحديد في الصين. وهذا الاتجاه قوي بالفعل.

يميل السكان الشباب إلى الانفتاح على تبني التكنولوجيات الجديدة، وتتمتع الصين ودول جنوب شرق آسيا بسكان أكثر شباباً إلى حد كبير مقارنة بأوروبا والولايات المتحدة.

علاوة على ذلك، تعمل الحكومة الصينية بنشاط على تعزيز بنيتها الأساسية المصرفية على شبكة الإنترنت، في حين أن الدول الغربية نادراً ما تستخدم نهجاً يتجه من القمة إلى القاعدة في الحوكمة، وقد تأخرت عن الاقتصادات الآسيوية في تبني المدفوعات الرقمية.

ولا يخلو الأمر من أسباب داخلة وبنيوية وراء تباطؤ معدلات تبني المدفوعات الرقمية في الدول الغربية. وقد أسهمت العادات الثقافية في إبطاء وتيرة التغيير في الغرب.

فالأمريكيون وسكان أوروبا الغربية على وجه الخصوص يعتمدون بشكل أكبر كثيراً على الأموال النقدية مقارنة بالأسر في آسيا.

ومع ذلك، ربما يعمل انتشار مرض فيروس كورونا 2019 على مستوى العالم على دفع العالم نحو نقطة تحول في كيفية تعامله مع المدفوعات. من المبكر للغاية أن نتنبأ بالتغيرات التي ربما تأتي، لكنها ستظهر في الأرجح باعتبارها حلولاً لتحديات بعينها داخل سياقات وطنية مختلفة، وبنى أساسية متفاوتة للمدفوعات، ومجموعات ديموغرافية متباينة. المؤكد أن الأزمة الحالية لم تدفع العديد من الدول بعد، بخلاف الصين، إلى تطهير عملاتها أو تدميرها وإعادة طباعتها.

لكن ربما يتبين أن مرض فيروس كورونا 2019 كان جائحة لا تحدث إلا مرة واحدة كل قرن، كما حذر بِل جيتس مؤخراً في تعليق لمجلة نيو إنجلاند الطبية. إن هذا المرض الفتاك يتطلب حلولاً لا تتكرر أكثر من مرة واحدة بالقرن. ونقطة الانطلاق الواضحة هنا تتلخص في التعجيل بالتحول نحو المدفوعات الرقمية.

* زميل مركز بيلفر للعلوم والشؤون الدولية في جامعة هارفارد.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات