الأزمة وإعادة تقييم العولمة

ستيفن س. روتش - عضو هيئة التدريس في جامعة ييل.

في محاولة لفهم واستيعاب العواقب الاقتصادية والمالية المترتبة على وباء فيروس كورونا 2019 (COVID-19)، تتمثل الغريزة الأولى في البحث عن سوابق وعلاجات في أزمات سابقة. في هذا السياق، أشار كثيرون إلى الأزمة المالية العالمية التي اندلعت عام 2008 باعتبارها المثال الأكثر صِلة، وخاصة في أعقاب تدابير السياسة النقدية الاستثنائية التي أعلنها مجلس الاحتياطي الفيدرالي في الولايات المتحدة في الخامس عشر من مارس. وهذا خطأ مؤسف.

إن ما نجح قبل 11 عاماً لن ينجح اليوم. الواقع أن وباء فيروس كورونا 2019 يُـعَـد صورة منعكسة في مرآة الأزمة المالية العالمية. ومن الأهمية بمكان أن تُـصاغ الاستجابة السياسية وفقاً لذلك.

كانت الأزمة المالية العالمية، أولاً وقبل كل شيء، صدمة مالية ألحقت خسائر فادحة بالاقتصاد الحقيقي. أما وباء فيروس كورونا 2019 فهو على النقيض من ذلك أزمة صحة عامة. وتتسبب جهود الاحتواء الصارمة ــ الإغلاق، وحظر الانتقال، وتقييد التجمعات العامة ــ في إحداث صدمة للاقتصاد الحقيقي، مع عواقب وخيمة تتحملها الشركات، وعمالها، والقطاع المالي.

خلال الأزمة المالية العالمية، كانت الإجراءات غير المسبوقة من قِبَل بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي مناسبة وحاسمة في معالجة المصدر الأساسي للصدمة. أما في حالة وباء فيروس كورونا 2019، فلا يستطيع بنك الاحتياطي الفيدرالي أن يلعب ذات الدور، لأنه يعالج صدمة ثانوية: التداعيات المالية المترتبة على الصدمة الأولية التي تلقاها الاقتصاد الحقيقي.

بدلاً من ذلك، يتعين علينا أن ننظر إلى استجابة بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي على أنها خطوة ضرورية، لكنها ليست كافية، لمعالجة أزمة وباء فيروس كورونا 2019. وهو دور حساس في أقل تقدير.

مع ذلك، تؤكد هذه الواقعة على حقيقة مزعجة: لقد أصبحنا معتمدين بشكل كبير على العلاجات النقدية لكل مشكلات العالم. في الأيام التي أعقبت مفاجأة الأحد، بعثت المذبحة التي شهدتها الأسواق المالية برسالة قوية: «قذيفة البازوكا الضخمة» التي أطلقتها البنوك المركزية والتي نجحت بشكل فـعّـال في وضع أرضية تحت الأسواق الهابطة في أواخر 2008 وأوائل 2009 ليست السلاح الخطأ لمعالجة أزمة الصحة العامة وحسب؛ بل إنها للأسف تفتقر أيضاً إلى الذخيرة الحية.

إن وقف الأزمات أمر لا يتسنى إلا من خلال مهاجمة مصادرها. وفي خضم جائحة فيروس كورونا 2019، يجب أن يكون التركيز على احتواء الفيروس. ويستلزم هذا اتخاذ تدابير خَـلّاقة وسريعة، مع التركيز أولاً وقبل كل شيء على البنية الأساسية للصحة العامة والعلوم.

كما هي الحال دائماً، عندما تمر الأزمة، سوف نشهد قدراً عظيماً من التأمل في الذات حول كيفية انزلاقنا إلى هذه الفوضى. وسوف يشمل إعادة تقييم العولمة، التي بدت ذات يوم وكأنها الدواء الاقتصادي الشافي من كل الأمراض للدول الفقيرة والغنية على حد سواء.

فبفضل التوسع الحاد الذي شهدته التجارة العالمية، إلى جانب الانفجار المصاحب لسلاسل القيمة العالمية، يصبح بوسع الاقتصادات النامية الفقيرة نسبياً أن تستفيد كدول منتجة من خلال الحد من الفقر وتعزيز مستويات المعيشة، في حين يستفيد العالم المتقدم كمستهلك من خلال القدرة على شراء سلع أرخص. وبفضل خاصية «الفوز للجميع» هذه روجت العولمة لذاتها عملياً.

الآن، هناك إجماع واسع على أن أفضل طريقة لإعادة تشغيل محرك النمو العالمي تتخلص في تسطيح منحنى العدوى بفيروس كورونا 2019..وليس قالب السياسات النقدية والمالية المستخدم في الأزمة الأخيرة، هو ما يجب أن يكون محل التركيز الشديد من جانب صناع السياسات خلال هذه الأزمة.

يشهد التاريخ على قدرة الاقتصاد العالمي الحديث على الصمود في أعقاب الصدمات السلبية. ويزودنا هذا بأسباب الأمل في الارتداد الذاتي إلى الانتعاش. لكن هذا لن يتحقق إلا بعد احتواء وباء فيروس كورونا 2019.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات