التكنولوجيا وجاذبيتها الخطيرة في عالم الصحافة

ألكسندرا بورشارت

كان المفترض أن تحل التكنولوجيا بعضاً من أكبر مشكلات العالم. فقد تصور المراقبون ذات يوم أن توصيل الجميع بشبكة الإنترنت لا بد من أن يتبعه انتشار الديمقراطية في كل مكان. وبجمع القدر الكافي من البيانات، يصبح بوسعنا الإجابة عن كل التساؤلات التي تحيرنا. وإذا وضعنا كل شيء على الإنترنت فسوف تتولى الخوارزميات بقية الأمر. وبهذا يدير العالم نفسه عملياً.

ولكن بدلاً من ذلك، بتنا نعلم الآن أن التكنولوجيا الرقمية يمكن استخدامها لتقويض الديمقراطية؛ وأنها تثير من الأسئلة أكثر مما تقدم من إجابات؛ وأن العالم الذي يدير نفسه يبدو أقرب إلى سيناريو كابوسي مستلهم من روايات جورج أورويل من كونه هدفاً نبيلاً. ولكن برغم أن التكنولوجيا ليست الحل حقاً فإنها أيضاً ليست المشكلة؛ بل المشكلة في تركيزنا عليها قصراً.

لنتأمل هنا تجربة صناعة الإعلام، حيث عاثت الثورة الرقمية فساداً في نماذج الأعمال السائدة على مدار العقد الماضي. فقد استجاب الناشرون والمحررون بوضع إيمانهم في التكنولوجيا بتتبع مختلف أشكال المقاييس، واحتضان صحافة البيانات، والاستعانة بفرق الفيديو، وفتح استوديوهات البث الصوتي.

ثم في وقت أقرب إلى الزمن الحاضر، حولت المنظمات الإعلامية اهتمامها نحو حلول الذكاء الاصطناعي التي تتعقب تفضيلات الجمهور وتنتج تلقائياً المحتوى المرغوب فيه والترجمات، وتنبه الصحافيين إلى الأخبار العاجلة، وغير ذلك الكثير. في أحدث تقرير صادر عن معهد رويترز لدراسة الصحافة حول اتجاهات وسائل الإعلام، قال 78 % من المستجيبين لاستطلاع غير تمثيلي لقادة وسائل الإعلام الدولية إنهم يخططون لزيادة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي هذا العام.

ولكن آخر الحدود في المساعي الرامية إلى إنقاذ الصحافة، كما يعتقد كثيرون، هي سلسلة الكتل أو البلوكتشين (تكنولوجيا الدفاتر الموزعة التي تقوم عليها العملات الرقمية المشفرة مثل البتكوين). ويتبقى لنا أن نرى ما إذا كان هذا صحيحاً كانت أول محاولة للاستفادة من سلسلة الكتل لتحرير الصحافيين من نماذج الأعمال التي تعتمد على الإعلانات، من قِبَل شركة سيفيل ميديا، بداية وعرة.

ليس هناك ما يعيب استخدام التكنولوجيا لحل المشكلات..ولكن حتى أكثر التكنولوجيات تقدماً لن تنقذ صناعة الإعلام، أو أي صناعة أخرى، إذا لم تضع في الاعتبار الأشخاص الذين يستخدمونها. وهذا لا يعني الجماهير فحسب. فبعد سنوات من مطاردة أحدث الاتجاهات التكنولوجية، تواجه صناعة الإعلام على نحو متزايد الإجهاد والتوتر بين الإدارة الحالية والموظفين، والمجتمع المتضائل من المواهب الجديدة.

وفقاً لتقرير معهد رويترز فإن 60 % من قادة وسائل الإعلام يشعرون بالقلق إزاء حالة التوتر والإجهاد التي تخيم على فرقهم، كما يشعر 75 % منهم الآن بالقلق حيال قدرتهم على الاحتفاظ بالعاملين واجتذابهم. ويُظهِر تقرير آخر من إعداد لوسي كوينج، بعنوان «التحول الرقمي. خريطة طريق للتحول التنظيمي»، أن المديرين المتوسطين، بشكل خاص، كانوا يخرجون من الصناعة.

لا ينبغي لهذا أن يكون مفاجئاً فقد واجه الصحافيون دائماً الضغوط في إدارة دوامة من المواقف الإخبارية الحساسة زمنياً والملحة والمتغيرة على نحو مستمر. ولكن في الماضي، كان بوسعهم على الأقل أن يعتمدوا على المؤسسات الإخبارية التي وظفتهم لتوفير الاستقرار والاتساق. والآن، يتعين عليهم أن يبحروا عبر تغيرات تنظيمية لا تنقطع مدفوعة بالتكنولوجيا ــ والتي تُشرَح وتقدم على نحو رديء عادة. ومن الممكن أن يتسبب هذا المستوى من عدم اليقين في إبعاد حتى الموظفين الأكثر ولاء.

لا شك في أن التغيير أمر لا مفر منه؛ فالعصر الرقمي يتطلب التكيف المستمر. ولكن إجراء التعديلات اللازمة من دون تدمير الروح المعنوية يتطلب تنفيذ نهج موجه نحو الناس. وهذه ليست عملية مباشرة وواضحة. فللحصول على حلول رقمية، يمكن للمديرين حضور مؤتمرات رقمية لامعة، وأخذ مشورة فرق المبيعات، والتوقيع على عقود، وإغراق غرف الأخبار بأدوات جديدة. ومع الناس، يتعين عليهم أن ينصتوا بعناية، وأن يعملوا على اكتساب فهم متعمق للمشكلة، ثم وضع استراتيجيتهم الخاصة.

والقيادة موضوع جيد كنقطة انطلاق.. وهذا يعني الاهتمام باحتياجات الموظفين وتعزيز الثقافة التنظيمية التي توفر لهم حِس الانتماء والغرض. ومن الأهمية بمكان تطبيق نهج مماثل على الجماهير. فحتى أكثر المقاييس دقة لا يمكنها توفير التوجيه المطلوب، إذا لم يفهم أحد ماذا تعني فعلياً، أو لماذا وقع الاختيار عليها، أو ماذا قد يكون الأثر النفسي الذي تخلفه (في الجماهير أو الموظفين).

إن التكنولوجيا وحدها لا تكفي لتشجيع الديمقراطية، والمساعدة على الإجابة عن أسئلة مهمة، وتسهيل القيادة الفعّالة من خلال تعزيز المساءلة. ولكن إلى حد ما، تستطيع الصحافة المسؤولة عالية الجودة أن تحقق مثل هذه الغايات. ولكن إذا كان لها أن تفي بهذا الغرض، فلا يجوز للمؤسسات الإخبارية أن تسمح لنفسها أبداً بالانجراف مع كل اتجاه تكنولوجي جديد. وإذا تعاملت مع التكنولوجيا باعتبارها أكثر من مجرد أداة لتنفيذ استراتيجيات تركز على الناس، فسوف يستمر الناس الذين تحتاج إليهم ــ من موظفين وجماهير ــ في التصويت بالرحيل.

 

* مديرة برامج القيادة في معهد رويترز لدراسة الصحافة

opinion@albayan.ae

طباعة Email
تعليقات

تعليقات