«إعلام النخبة» وتجاهل حياة الناس العاديين

جيفري ساكس - أستاذ التنمية المستدامة وأستاذ السياسة الصحية والإدارة في جامعة كولومبيا.

يريد الأمريكيون من الحكومة أن تضمن الرعاية الصحية للجميع، ويريدون فرض ضرائب أعلى على الأثرياء، ويريدون الانتقال إلى الطاقة المتجددة، وهم يريدون فرض قيود على الأموال الضخمة في السياسة.

وكل هذه الرغبات تعبر عنها مواقف المرشح الرئاسي الأمريكي بيرني ساندرز الرئيسية، وهي جميعها طبعا مألوفة وطبيعية في أوروبا. ورغم ذلك، مع كل انتصار أولي يحققه ساندرز، يُـبدي أهل النخبة في وول ستريت وخبراؤهم المفضلون حيرتهم البالغة إزاء الكيفية التي يتمكن بها «متطرف» مثل ساندرز من الفوز بالأصوات.

تُنبئنا مقابلة أجرتها فاينانشال تايمز مؤخراً مع لويد بلانكفين، الرئيس التنفيذي السابق لبنك جولدمان ساكس، بمدى الجهل الذي يخيم على وول ستريت. بلانكفين ملياردير يكسب عشرات الملايين من الدولارات كل عام، لكنه يزعم رغم ذلك أنه مجرد «شخص ميسور الحال» وليس ثرياً. الأمر الأكثر غرابة هو أنه يعني ذلك حقاً.

كما ترون، بلانكفيل ملياردير تتألف ثروته من رقم واحد منخفض في خانة الآحاد في عصر حيث يملك أكثر من 50 أمريكياً ثروة صافية قدرها 10 مليارات دولار أو أكثر. إن شعور المرء بمدى ثرائه يعتمد على المجموعة التي ينتمي إليها من النظراء.

لكن النتيجة هي تجاهل النخبة (وإعلام النخبة) الصادِم لحياة معظم الأمريكيين. إنهم إما لا يعرفون أو لا يبالون بأن عشرات الملايين من الأمريكيين يفتقرون إلى تغطية الرعاية الصحية الأساسية. لا تكاد النخبة تنتبه أيضاً إلى 44 مليون أمريكي تثقل كواهلهم ديون الطلاب التي تبلغ في مجموعها 1.6 تريليون دولار، وهي ظاهرة غير معروفة في الدول المتقدمة الأخرى.

وعلى الرغم من ارتفاع أسواق الأسهم إلى عنان السماء، ما زاد النخب ثراء، فإن معدلات الانتحار وغيرها من «حالات الموت يأساً» (مثل جرعات المواد الأفيونية الزائدة) ارتفعت أيضاً إلى عنان السماء، مع استمرار الطبقة العاملة في التراجع والانزلاق إلى حالة من انعدام الأمان المالي والنفسي.

يرجع أحد الأسباب وراء تغافل النخب عن هذه الحقائق الأساسية إلى أنهم لم يُـخـضَـعوا للمساءلة والحساب لفترة طويلة. كان الساسة الأمريكيون من كلا الحزبين يخدمونهم بإخلاص على الأقل منذ تولى الرئيس رونالد ريجان منصبه في عام 1981 وأذن بقدوم أربعة عقود من التخفيضات الضريبية، وإضعاف النقابات، وغير ذلك من الامتيازات وأسباب البهجة لصالح أصحاب الثراء الفاحش.

الواقع أن الصداقة الحميمة بين كلينتون وأصحاب المليارات في وول ستريت تُنبئنا بالكثير، إذ كان هذا هو النمط المعتاد بين الجمهوريين منذ بداية القرن العشرين، لكن الروابط الوثيقة بين وول ستريت والديمقراطيين أكثر حداثة.

بوصفه مرشحاً للرئاسة في عام 1992، نَاوَر كلينتون للربط بين الحزب الديمقراطي وجولدمان ساكس من خلال رئيسه المشارك في ذلك الحين روبرت روبن، الذي أصبح في وقت لاحق وزيراً للخزانة في إدارة كلينتون.

بدعم من وول ستريت، فاز كلينتون بالرئاسة. ومنذ ذلك الحين، أصبح الحزبان مدينين لوول ستريت لتمويل الحملة الانتخابية. وسار باراك أوباما على خُـطى كلينتون في انتخابات عام 2008.

بغطرسة الملياردير الكبير، يتصور عمدة مدينة نيويورك السابق مايكل بلومبرج أنه قادر على شراء ترشيح الحزب الديمقراطي له بإنفاق مليار دولار من ثروته التي تبلغ 62 مليار دولار على إعلانات الحملة، ثم إلحاق الهزيمة بزميله الملياردير دونالد ترمب في نوفمبر.

وهذه أيضاً، في الأرجح، حالة من الجهل، فقد تضاءلت آفاق بلومبرج بمجرد ظهوره في مناظرة مع ساندرز والمرشحين الديمقراطيين الآخرين، الذين ذَكَّروا المشاهدين بماضي بلومبرج الجمهوري، وادعاءات بشأن بيئة عمل معادية للنساء في شركات بلومبرج، فضلاً عن دعمه لتكتيكات الشرطة القاسية ضد الأمريكيين الشباب من أصول أفريقية ولاتينية.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات