هل نفد حظ أستراليا؟

كارل بيلديت - رئيس وزراء ووزير خارجية السويد سابقاً.

بكل المعايير المعقولة، تعتبر أستراليا بعيدة للغاية عن معظم الدول الأخرى. فمدينة سيدني مثلاً أقرب إلى القطب الجنوبي من سنغافورة، كما لا تزال الرحلات المباشرة من واشنطن العاصمة أو من بروكسل إلى كانبرا مستعصية على قدراتنا التقنية، إذ لا بد أن يكون هناك توقف بمكان ما.

لكن لم تعد للجغرافيا الأهمية التي كانت تحظى بها من قبل، بغض النظر عن ما إذا كانت عواقب ذلك حسنة أم سيئة. فقد تكون أستراليا نائية بمقياس المسافات، لكنها جزء أصيل من هذا العالم. بل إنها تقع بالفعل على خط المواجهة إزاء تحديين عالميين سيشكلان قوام الأجندة الدولية في العقدين القادمين.

ولو قضيت بضعة أيام في هذا البلد، ستدرك بسرعة أن سياسته تتمحور حول قضيتين هما الصين وتغير المناخ ــ وأحياناً تتمحور حول مزيج من القضيتين. وقريباً جداً، سينطبق الشيء نفسه على بلدان أخرى كثيرة حول العالم.

ربما تكون أستراليا أكثر الدول الديمقراطية في العالم اعتماداً على الصين اقتصادياً. غير أن اقتصاد أستراليا يتفرد بين الدول الصناعية بتمكنه من تحقيق نمو متواصل طوال ثلاثة عقود تقريباً دون ركود. فقد نفذت الحكومات الأسترالية المتعاقبة إصلاحات لتحقيق انفتاح اقتصادي، بينما كانت الصين تبدأ خطواتها الأولى نحو صعودها الصاروخي. واستطاعت أستراليا، بفضل ما لديها من إمدادات وفيرة من الطاقة والموارد الأخرى، أن تطفو فوق سطح موجة متنامية من الطلب الصيني.

كان هذا الترتيب مناسباً ومواتياً للغاية. ونظرا لقرب الدولتين نسبيا، شرع السياح والمهاجرون الصينيون في التدفق إلى أستراليا، وأضحى الطلاب الصينيون يشكلون قواما أساسيا لجامعاتها، واستمرت الأموال في التدفق إليها، وارتفعت بالتالي أسعار العقارات الأسترالية.

أدرك الأستراليون فجأة أن اعتمادهم الوثيق على الصين جعل بلادهم عرضة للهجوم والانتقاد. ومنذ ذلك الحين، شرع واضعو السياسات الأستراليون في معالجة هذا التهديد. وفي أغسطس عام 2018، أصبحت أستراليا أول دولة غربية تشير إلى أنها لن تسمح للشركات الصينية بتوريد شبكتها القادمة من الجيل الخامس (كان معنى بيان الحكومة واضحاً جلياً، رغم أنه لم يحدد دولة بعينها صراحة).

لم يرقَ الأمر للقيادة الصينية، فجُمدت الاتصالات الثنائية عالية المستوى منذ ذلك الحين، وإن ظلت الروابط الاقتصادية متماسكة. لكن أضحى الأستراليون أكثر قلقاً بشأن المستقبل .

مع اصطدامها بتلك الضغوط الجديدة، أصبحت أستراليا أكثر اعتماداً على علاقاتها الأمنية مع الولايات المتحدة. لكن مع تدهور العلاقات الصينية الأمريكية، لم يتضح بعد مدى قدرة أستراليا على المناورة ومعالجة الفجوة بين وحشيّ القرن الحادي والعشرين. وفي حال اضطرارها لإثارة غضب إحدى القوتين، فمن المرجح أن يكون في ذلك نهاية فترة رخائها الاقتصادي طويلة الأمد.

وتعد السياسات المتعلقة بالمناخ من التحديات التي تزيد الأمور تعقيداً بالنسبة لأستراليا. ويجب عليها أيضا البدء في التعامل مع قضية تغير المناخ بجدية، فأي من المشكلتين لن تجدي معها حلول السياسات السهلة، ولن تنجو الدول الغربية الأخرى التي تعتمد على الصين اقتصادياً من مآزق مشابهة.

إن لنا جميعاً في التجربة الأسترالية ــ بمحاسنها ومساوئها ــ دروساً قيمة، إذ يصدق على أستراليا تشبيهها بطائر الكناري الذي يستخدم لاختبار هواء منجم الفحم (إشارة إلى ما تواجهه من خطر محدق).

من ثم ينبغي لواضعي السياسات والقادة السياسيين في كل مكان الانخراط في وضع تقييم صادق وأمين للمخاطر الناجمة عن صعود الصين وارتفاع درجة حرارة الكوكب. ويجب علينا جميعاً البدء في التخلص تدريجياً من الوقود الأحفوري. فها هي أستراليا تجد نفسها على خط المواجهة مع تلك القضيتين الكبريين، وإنا بها جميعاً عما قريب لاحقون.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات