الاقتصاد في أمريكا.. بين الواقع والبرامج المطلوبة

صورة

بينما كانت النخبة التجارية العالمية تتجه إلى دافوس لحضور اجتماعهم السنوي، كان هناك سؤال بسيط يطرح على بعض الأشخاص: هل تغلبوا على افتتانهم برئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب؟

قبل عامين، كانت قِلة نادرة من قادة الشركات مهمومة بتغير المناخ. لكن أغلبهم كانوا يحتفلون بالتخفيضات الضريبية التي أقرها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لصالح أصحاب المليارات والشركات ويتطلعون إلى جهوده الرامية إلى إلغاء الضوابط التنظيمية التي تحكم عمل الاقتصاد.

اليوم، لا يزال العديد من رؤساء الشركات يتحدثون عن نمو الناتج المحلي الإجمالي المستمر وأسعار الأسهم غير المسبوقة في الارتفاع. ولكن لا الناتج المحلي الإجمالي ولا مؤشر داو يصلح كمقياس جيد للأداء الاقتصادي.

فلا ينبئنا أي منهما بما يحدث لمستويات معيشة المواطنين العاديين أو أي شيء يتعلق بالاستدامة. في الواقع، يُـعَد الأداء الاقتصادي الأمريكي على مدار السنوات الأربع الماضية بمثابة مستند الإثبات (أ) في لائحة الاتهام ضد الاعتماد على هذه المؤشرات.

للحصول على قراءة جيدة لصحة الاقتصاد في أي بلد، يتعين علينا أن نبدأ بالنظر في صحة مواطنيه. فإذا كانوا سعداء ومزدهرين فسوف تكون صحتهم جيدة ويعيشون لفترة أطول. بين الدول المتقدمة، وربما على الكثير من الدول تبين برامج خاصة في المجال لتحقيق تقدم أكبر.

إن أحد الأسباب وراء انخفاض متوسط العمر المتوقع في أمريكا هو ما أسمته آن كيس والخبير الاقتصادي الحائز جائزة نوبل في علوم الاقتصاد أنجوس ديتون «الموت يأساً»، نتيجة لتعاطي الكحوليات، وتناول جرعات زائدة من المخدرات، والانتحار. في عام 2017 (أحدث عام توفرت عنه بيانات جيدة)، بلغت هذه الوفيات ما يقرب من أربعة أضعاف مستواها في عام 1999.

كانت المرة الوحيدة التي رأيت فيها مثل هذا الانحدار في الصحة ــ خارج نطاق الحرب أو الأوبئة ــ عندما كنت كبير خبراء الاقتصاد في البنك الدولي واكتشفت أن بيانات الوفيات والمرض تؤكد ما اقترحته مؤشراتنا الاقتصادية حول الحالة المزرية التي انزلق إليها الاقتصاد الروسي بعد انهيار الاتحاد السوفييتي.

ونظرا للتخفيضات الضريبية التي تعود بالفائدة على نحو غير متناسب على أصحاب الثراء الفاحش والشركات، فلا ينبغي لنا أن نتعجب إزاء عدم حدوث أي تغير ملموس في الدخل المتوسط المتاح لإنفاق الأسر الأمريكية في الفترة بين عام 2017 وعام 2018 (وهذه أيضا آخر سنة تتوفر عنها بيانات جيدة).

كما تذهب حصة الأسد من الزيادة في الناتج المحلي الإجمالي إلى أولئك على القمة. وقد ارتفعت الدخول الأسبوعية المتوسطة الحقيقية بنحو 2.6% فقط فوق مستواها عندما تولى ترامب منصبه.

ولم تعوض هذه الزيادات عن فترات طويلة من ركود الأجور. على سبيل المثال، لا يزال الأجر المتوسط للعامل الذكر الذي يعمل في وظيفة بدوام كامل (والذين يشغلون وظائف بدوام كامل هم المحظوظون) أدنى مما كان عليه قبل أربعين عاما بأكثر من 3%.

كما لم يحدث تقدم كبير في الحد من الفوارق العِرقية: ففي الربع الثالث من عام 2019، كانت الدخول الأسبوعية المتوسطة للرجال من ذوي البشرة السوداء الذين يعملون في وظائف بدوام كامل أقل من ثلاثة أرباع مستواها بين الرجال من ذوي البشرة البيضاء.

ما يزيد الطين بلة أن النمو الذي حدث لم يكن مستداما من الناحية البيئية ــ بل كان أقل من ذلك بفضل حرص إدارة ترامب على إفراغ الضوابط التنظيمية التي أقرت التحاليل الصارمة للتكاليف والفوائد من مضمونها. وسوف يكون الهواء أقل صلاحية للتنفس، والمياه أقل صلاحية للشرب، وكوكب الأرض أكثر عُرضة لتغير المناخ.

الواقع أن الخسائر المرتبطة بتغير المناخ بلغت بالفعل مستويات جديدة غير مسبوقة في الولايات المتحدة، التي عانت من خسائر في الممتلكات أكثر من أي دولة أخرى ــ حيث بلغت نحو 1.5% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2017.

كان المفترض أن تؤدي التخفيضات الضريبية إلى حفز موجة جديدة من الاستثمار. لكنها تسببت بدلا من ذلك في إحداث موجة غير مسبوقة على الإطلاق من الإسراف في عمليات إعادة شراء الأسهم ــ نحو 800 مليار دولار في عام 2018 ــ من قِبَل بعض الشركات الأمريكية الأكثر ربحية، وأفضت إلى تسجيل مستوى غير مسبوق من العجز في زمن السِلم (حوالي تريليون دولار في السنة المالية 2019) في دولة يفترض أنها قريبة من مستوى التشغيل الكامل للعمالة.

وحتى في ظل الاستثمار الضعيف، كان لزاما على الولايات المتحدة أن تقترض بكثافة من الخارج: تشير البيانات الأحدث إلى اقتراض أجنبي بلغ ما يقرب من 500 مليار دولار سنويا، بزيادة تتجاوز 10% في مركز المديونية الصافية في أمريكا في عام واحد فقط.

على الرغم من الوعود بإعادة وظائف التصنيع إلى الولايات المتحدة، فإن الزيادة في تشغيل العمال في التصنيع لا تزال أقل مما كانت عليه. وهناك حاجة ماسة للعمل على رفع وتيرة خلق فرص العمل.

حتى إذا حكمنا من خلال الناتج المحلي الإجمالي، فإن اقتصاد أمريكا يظل بحاجة لقفزات كبيرة. كان النمو في الربع الأخير 2.1% فقط، وهذا أقل كثيرا من 4%، أو 5%، أو حتى 6% التي وُعد بها الأمريكيون.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات