في الدفاع عن النزعة العالمية

تحظى الكوزموبوليتانية (العالمية) بوفرة من التغطية الصحافية السلبية في أيامنا هذه. ويربط الناس عادة بين «العالمية» و«الـنُـخَب»، فيقال على سبيل المثال:

«النخب العالمية التي يحتسي أفرادها الكابتشينو في الصباح، ويتنقلون بطائراتهم النفاثة إلى أماكن مثل دافوس، ويتمتعون بمكاسب ضخمة من الثورة الرقمية».

قديماً، كانت معاداة العالمية رمزاً لمعاداة السامية. واليوم، يُـعَد أنصار العالمية.

كما وصفتهم رئيسة وزراء المملكة المتحدة السابقة تيريزا ماي، «مواطنين للا مكان»:

الوجه المغاير للمواطنين النبلاء الذين تظل جذورهم راسخة في المجتمعات التي يفترض أنها تتعرض للهجوم من قِبَل العولمة التي يروج لها أنصار العالمية متحجرو الفؤاد.

ينطوي هذا السرد على مشكلة واحدة: فهو شديد التضليل. ولأسباب سياسية، يشكل هذا الـخَـلط أهمية واضحة.

كما تذكرنا الفيلسوفة مارثا نوسبوم في كتابها الجديد الآسر «تقليد العالمية»، عندما سُـئِل ديوجينيس الكلبي عن موطنه أجاب بكلمة واحدة: «kosmopolités» (مواطن عالمي).

كان ديوجينيس يونانياً، لكنه رفض تعريف نفسه من خلال نَـسَـبه أو مكانته البارزة.

وتؤكد نوسبوم أن ديوجينيس من خلال وصف نفسه بأنه مواطن فتح «إمكانية نشوء سياسة، أو نهج أخلاقي في التعامل مع السياسة، يركز على الإنسانية التي نتقاسمها وليس رموز الأصل المحلي.

والمكانة، والطبقة، والنوع الجنسي التي تفرقنا».

وعلى هذا فإن النزعة العالمية تدور حول المساواة، على عكس ما يقترحه السرد السائد. بل تنطوي العالمية على تعريف أنفسنا على وجه التحديد بما يجعلنا متساوين ــ إنسانيتنا المشتركة.

ــ وليس ما إذا كنا ارتدنا مدارس النخبة أو نجني الكثير من المال من أسهم التكنولوجيا أو نحضر اجتماعات دافوس. الحق أننا من الصعب أن نفكر في مَـثَـل أعلى أكثر نبالة.

العالمية تناهض أيضا التسلسلات الهرمية ــ ولا تؤيدها كما تدّعي التصورات المعاصرة. ذات يوم، أتى الإسكندر الأكبر ووقف أمام ديوجينيس، الذي كان جالساً في هدوء وسكينة تحت الشمس.

وقال له: «سلني أي شيء تريد». فأجابه ديوجينيس: «اخرج من محيط ضوئي».

تجد نوسبوم قدراً كبيراً من الإلهام في «هذه الصورة للكرامة الإنسانية، التي من الممكن أن تشرق بتجردها ما لم تحجبها ادعاءات الرتبة والـنَـسَب الزائفة».

من وارسو إلى واشنطن، ومن البرازيل إلى بودابست، ومن مانيلا إلى مومباي، يشهد العالم الآن إحياء القومية (الاستبدادية غالباً).

والمفترض أن تكون الدعامة الأخلاقية لهذا الإحياء متمثلة في الدفاع عن الرجال والنساء العاديين ضد الهجوم المزعوم من قِبَل آخرين، سواء الأجانب أو المهاجرين أو النخب العالمية التي لا جذور لها.

لكن النتيجة العملية هي ثقافة الكراهية (أستشهد هنا بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي وَصَـف المؤمنين بتفوق العِرق الأبيض بأنهم «أناس راقون للغاية»).

وتقليص الحريات المدنية، وإضعاف المؤسسات الديمقراطية أو تدميرها صراحة (كما هي الحال في المجر وفنزويلا).

الآن حان الوقت لشن هجوم مضاد. لكن الحجة المضادة من غير الممكن أن تكون تكنوقراطية. فلن تفي بالغرض الإحصاءات حول إمكانات العولمة المعززة للنمو.

بل لابد أن تكون الحجة أخلاقية، وهنا يأتي دور العالمية.

يعشق الشعبويون المنتمون إلى اليسار الادعاء بأنهم يدافعون عن المساواة. لكن الليبراليين العالميين، الذين ينطلقون من الكرامة المتساوية لجميع البشر، قادرون على الدفاع بكل قوة عن المساواة، كمثل أي شخص آخر.

لم يفعل الكلبيون ولا الرواقيون ذلك، ولكن ابتداء من شيشرون مروراً بكل من جون راولز، وأمارتيا سِن، ونوسبوم، يؤكد التقليد العالمي الليبرالي على أن العدالة تتطلب «واجبات المساعدة المادية».

فلا يكفي التأكيد على القيمة المتأصلة في طفل فقير. بل يتطلب الأمر مستوى أساسياً من التغذية، والرعاية الصحية، والتعليم لتمكين ذلك الطفل من تحقيق إمكاناته البشرية.

إن المساواة ليست عدو الحرية؛ بل هي شريكة الحرية. ولهذا السبب تُـعَـد الليبرالية العالمية ترياقاً قوياً ضد الخطاب الشعبوي اليساري.

على النقيض من ذلك، يدّعي الشعبويون اليمينيون أنهم يدافعون عن حب الوطن. ولكن هنا أيضا يستطيع الليبراليون العالميون التغلب على الشعبويين في اللعبة التي يبرعون فيها.

لا يوجد صراع بين حب الإنسانية وحب الوطن، كما تؤكد نوسبوم. بل على العكس من ذلك.

وكما تزعم نوسبوم في كتاب سابق بعنوان «عواطف سياسية»، يشكل حب التقاليد والمؤسسات الديمقراطية لأي بلد ضرورة أساسية للحفاظ على استقرارها وقوتها وقدرتها على ضمان الحقوق المتساوية والكرامة المتساوية للجميع.

تميل السياسة الحديثة حتماً نحو سياسة الهوية. ويتعلق الاختيار الحقيقي الوحيد بكيفية صياغة الساسة للهوية الوطنية التي ينادون بها.

فيدعو الشعبويون اليمينيون لهوية قائمة على «الدماء والتربة». وفي المقابل، لا يحب الليبراليون أوطانهم بسبب مشاعر في غير محلها أو تفوق عِرقي، بل لأنها ترمز لقيم عالمية نبيلة.

الواقع أن القومية ربما تأخذ ابعاداً خطرة.. أما الوطنية فهي ليست كذلك.

وأفضل أنواع الوطنية هو ذلك الذي يقوم على قيم قديمة مثل الحرية والكرامة والاحترام المتبادل. لِـمَ لا نسمي ذلك الوطنية الليبرالية؟

الليبراليون العالميون ليسوا من النخب الذين يستقلون الطائرات النفاثة ويرتشفون اللاتيه ولا يبالون كثيراً، أو لا يكترثون على الإطلاق، بإخوانهم المواطنين.

إنهم مثاليون يرون أن حب الوطن يبدأ بالتزام جوهري بالكرامة المتساوية لكل البشر.

ولا ينبغي لليبراليين العالميين، الذين يحجب عنهم خصومهم القوميون ضوء الشمس، أن يترددوا في أن يقولوا، مع ديوجينيس: «اخرجوا من محيط ضوئنا».

* مرشح رئاسي ووزير مالية سابق في شيلي، وهو عميد مدرسة السياسة العامة في كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات