الفردية وضعف سياسة الاتحاد الأوروبي الخارجية

سوافمير سييراكافسكي - مؤسِّس حركة «كريتيكا بوليتيكانا»، ومدير معهد الدراسات المتقدمة في وارسو، وكبير زملاء المجلس الألماني للعلاقات الخارجية.

في تقريرها حول مؤتمر عُـقِد مؤخراً في برلين لمناقشة الصراع في ليبيا، تشير واحدة من أكبر الصحف في ألمانيا، فرانكفورتر الغماين تسايتونغ، إلى أن «الأيام التي كانت فيها الولايات المتحدة تهيمن على الشرق الأوسط وَلَّت وانتهت».

لأكثر من عقد من الزمن، كانت الولايات المتحدة في تقهقر مستمر، مما أجبر أوروبا على نشر مظلة الحماية الخاصة بها، إما من خلال الاتحاد الأوروبي أو عن طريق السياسات الخارجية التي تنتهجها البلدان الأعضاء فرادى. من الواضح الآن أن الغَلَبة كانت للخيار الثاني. وتُـظهِر التطورات الأخيرة في إيران وليبيا أن الاتحاد الأوروبي لم يعد يشكل قوة ذات بال في الشؤون الدولية.

وهنا، فإن الوضع في ليبيا مجرد عَـرَض يدل على المشكلة الأكبر. فقد أصبحت كل من تركيا وروسيا متورطة الآن في الحرب الأهلية الدائرة هناك (على جانب المعارضة) بهدف تعزيز مصالحهما الوطنية، وفي هذه العملية تهدد تصرفات هاتين الدولتين بإطلاق العنان لطوفان من اللاجئين.

ولكن كيف استجاب قادة أوروبا لهذه التطورات؟ سافَرَت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل إلى موسكو للقاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وتشاور الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مع بوتين عبر الهاتف، ولم يكلف أحد نفسه عناء إشراك الاتحاد الأوروبي.

قد يتصور المرء أن أقصر طريق إلى التعددية يمر عبر الاتحاد الأوروبي. لكن في المحادثات التي عقدت في برلين هذا الشهر، جرى تقديم رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين والممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية جوزيف بوريل على أنهما مشاركان إضافيان.

وقد تولت ميركل والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش مهمة استقبال الشخصيات الأجنبية الرفيعة المستوى. من المؤكد أن الأمم المتحدة يجب أن تحتل موقعاً مركزياً (وإن كان رمزياً) في قمة موجهة نحو التعاون الدولي؛ ولكن لماذا لا يستطيع الاتحاد الأوروبي أن يضطلع بذلك الدور أيضاً؟

المشكلة هي أن ميركل تواجه بضع عقبات في التحايل على الاتحاد الأوروبي واتخاذ تدابير مباشرة. وإذا لاحقت ألمانيا أهداف سياستها من خلال الكتلة المنقسمة التي تتألف من 28 عضواً، فإنها لن تتمكن من تأمين النتيجة المرغوبة.

وعلى نطاق أوسع، يستطيع الاتحاد الأوروبي أن يمارس قدراً كبيراً من النفوذ على أي دولة ثالثة منفردة في أي مكان في العالم، من خلال توظيف الضغوط الاقتصادية ببساطة. ولكن لكي يتسنى له أن يفعل ذلك، فإنه يحتاج إلى أجندة مشتركة وممثلين مفوضين لملاحقة مصالح الاتحاد الأوروبي المشتركة، حتى وإن كان ذلك على حساب الدول الأعضاء فرادى.

فبدون جبهة موحدة، لا يستطيع الاتحاد الأوروبي أن يتصرف بفعالية على الساحة العالمية. ولا يبالغ وزير الخارجية البولندي السابق راديك سيكورسكي عندما يزعم أن مؤسسات الاتحاد الأوروبي تتخلى عن التزاماتها بممارسة السياسة الخارجية لصالح الكتلة.

في أعقاب الجولة الأخيرة من الدبلوماسية الأحادية من الجانبين الفرنسي والألماني، يشير سيكورسكي إلى أن «قادة أكبر دول أوروبا الغربية لم يفكروا حتى في التصرف وفقاً لنص وروح معاهدة لشبونة».

بعيداً عن توحيد أوروبا وحماية مصالحها، تسبب الارتباك الجيوسياسي الحالي في تعميق الانقسامات القائمة بين الدول التي تخسر نفوذها، بشكل فردي، في الشؤون الدولية. ورغم أن المشروعات القومية الأمريكية والصينية قد تعود بعواقب سلبية على هذه الدول، فإن التصرفات الأحادية قد تؤدي إلى تفكيك الاتحاد الأوروبي بالكامل.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات