الاتحاد الأوروبي وتحديات الاستثمارات الخضراء

صورة

يُتوقع أن تعتمد الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، والبرلمان الأوروبي، قريباً، ما يسمى بـ«التصنيف»، لتصنيف الاستثمارات الخضراء، بعد أن توصلت إلى اتفاق، الشهر الماضي، على قائمة الأنشطة الاقتصادية «المستدامة». وبمجرد دخول النظام الجديد حيز التنفيذ، خلال هذا العام على الأرجح، ستستخدم المفوضية الأوروبية هذه القائمة لتحديد الأصول والمنتجات المالية المستدامة.

وهذا التصنيف هو العمود الفقري للحزمة التنظيمية للمفوضية بشأن التمويل المستدام، والتي لها هدف طموح يتمثل في «إعادة توجيه التدفقات الرأسمالية نحو الاستثمار المستدام، من أجل تحقيق نمو مستدام وشامل». وتأمل اللجنة أن يعالج التصنيف الجديد مشكلة «غسل» المنتجات المالية غير المستدامة في السوق، وأن تكون أساساً لحوافز السياسات، من أجل تشجيع الاستثمار المستدام.

ولكي يحقق التصنيف الغرض المنشود يجب أن يتناول ثلاثة أسئلة مهمة. وللأسف، يتجاهل النهج الأحادي البعد الذي يتبعه الاتحاد الأوروبي اثنين من الأسئلة الثلاثة، ما قد يؤدي إلى عواقب وخيمة.

إن تركيز اللجنة على مسألة الأنشطة الاقتصادية المستدامة ينطوي على تحديد جميع الأنشطة التي تسهم في انتقال الطاقة، مثل توليد الطاقة المتجددة، أو إنتاج السيارات الكهربائية،. وتركزت النقاشات الرئيسية على احتمال إدراج الطاقة النووية أو الغاز الطبيعي، وما إذا كان يجب تحديد «ظلال خضراء» بدلاً من اعتماد نظام ثنائي.

ولكن ينبغي أن يتناول تصنيف الاتحاد الأوروبي أيضاً السؤال الكبير الثاني: ما هي الأنشطة الخضراء التي تواجه فجوة في التمويل؟ إذ في النهاية، ومن المنظور البيئي، الغرض الوحيد من إعادة توجيه التدفقات المالية نحو هذه الأنشطة، هو سد العجز في التمويل. ولا تعاني بالضرورة كل الأنشطة المستدامة المدرجة في التصنيف المقترح من نقص في التمويل. وعملياً، فإن نمو بعض الأنشطة الخضراء تحده عوامل أخرى، مثل قلة الطلب على السلع الاستهلاكية، أو البيئة الضريبية غير المواتية، أو العقبات التكنولوجية. وفي الواقع، قد يكون انخفاض مستوى التمويل نتيجة لهذه الصعوبات وليس سببها.

وفضلاً عن ذلك، عندما توجد فجوة في التمويل، فإنها لا تنطبق بالضرورة على رأس المال كله، إذ عادة ما يؤثر النقص على مرحلة معينة، مثل ما يسمى «وادي الموت» بين رأس المال الاستثماري، والأسهم الخاصة.

وفي هذا السياق، فإن توجيه التمويل نحو جميع الأنشطة التي تُعرف بأنها «مستدامة»، بما في ذلك الأنشطة التي لا تحصل على التمويل الكافي، لن يؤدي فقط إلى تخفيف آثار الحوافز المحتملة (مثل «عامل الدعم الأخضر» الذي تَوخَّته اللجنة)، ولكن أيضاً إلى خطر إنشاء فقاعة الأصول. ومع ذلك، يتجاهل الاتحاد الأوروبي، إلى يومنا هذا، هذه المشاكل المحتملة.

وأخيراً، تتجاهل اللجنة الأدلة المتعلقة بمسألة الأدوات والمنتجات المالية التي تؤثر تأثيراً فعّالاً على الاقتصاد الحقيقي.

وقد يتوقع المرء من صناع السياسة الأوروبيين تشجيع الاستثمارات في الأدوات والمنتجات التي تساعد على توسيع نطاق الأنشطة الاقتصادية المستدامة. فعلى سبيل المثال، خلُصت مراجعة حديثة للأبحاث الأكاديمية حول هذا الموضوع، إلى أن استخدام المستثمرين لحقوق المساهمين لدعم القرارات البيئية هو «آلية يعوّل عليها نسبياً» لتحقيق هذه النتيجة. ويكتسب هذا النهج زخماً كما يتضح من قرار شركة BlackRock (بلاك روك) الأخير، بالانضمام إلى تحالف العمل المناخي 100 للمستثمرين الذين يشجعون مثل هذه القرارات. ومع ذلك، لاحظت المراجعة في الوقت نفسه أنه «لا توجد حالياً دراسة تجريبية تربط قرارات تخصيص رأس المال، التي يتخذها المستثمرون المستدامون بخصوص نمو الشركات، أو تحسين ممارساتها».

وتشير اللجنة إلى هذه الدراسة، لكنها قررت العمل ضد الأدلة العلمية، وأن تعتمد في قوانينها الخاصة بالتمويل المستدام على حقائق بديلة. ومن ناحية، تحدد اللائحة تعرض المحافظ للأنشطة المستدامة باعتبارها السبيل الوحيد لتحقيق النتائج البيئية، أو، كما تقول اللجنة، «الخضرة مشتقة من الاستخدامات التي يتم من أجلها وضعت (المنتجات المالية أو الاستثمارات) في الأصول أو الأنشطة الأساسية». ومن ناحية أخرى، تتجاهل الحزمة التنظيمية إشراك المساهمين بصفته وسيلة لتحويل الاستثمار نحو الأنشطة المستدامة.

إن نهج الاتحاد الأوروبي الأحادي البعد يزيد من خطر حدوث ثلاث عواقب مضرة بشكل خاص. أولاً أنه يزيد من احتمال سوء البيع. ومن الممكن، قريباً، أن يحصل 40% من مستثمري التجزئة الأوروبيين الذين يهتمون (وفقاً لآخر استطلاع للرأي أجري في عام 2020)، بالتأثير البيئي لمدخراتهم، على منتجات غير مناسبة بشكل منهجي. وفضلاً عن ذلك، يمكن أن يعيق التنظيم المنافسة عن طريق إنشاء حواجز أمام استراتيجيات حقيقية لاستثمار الأثر البيئي. وأخيراً، من خلال رفض النهج القائمة على الأدلة في التمويل، يمكن أن يبطئ تنظيم الاتحاد الأوروبي الانتقالات القطاعية، ما يعوق الجهود العالمية للتصدي لتغير المناخ.

وبصفتي عضواً في فريق الخبراء الرفيع المستوى، الذي أوصى بخطة عمل التمويل المستدام، فقد وجهت انتباه الهيئة مراراً وتكراراً إلى هذه القضايا، وما زلت أجد صعوبة في فهم القرارات المتخذة، ولكن عندما يتعلق الأمر بمعالجة القضايا الاجتماعية المعقدة، والمتعددة الأبعاد من خلال حل بسيط أحادي البعد، فهناك سابقة مثيرة للاهتمام.

إذ منذ وقت ليس ببعيد، حاولت حكومة الولايات المتحدة، جنباً إلى جنب مع الصناعة المالية، مواجهة تحدٍ أبسط من تغير المناخ: تعزيز ملكية المنازل بين الأسر ذات الدخل المنخفض. واختارا التركيز على الرهون العقارية عالية المخاطر، إلى جانب العصا السحرية للتسنيد. وفي مرحلة ما، اعتقد صناع القرار أن زيادة تعرض السوق لقروض الرهن العقاري الثانوي تعكس بشكل جيد مساعدة الأسر ذات الدخل المنخفض على شراء المنازل، وأنه لا يلزم إجراء مزيد من التقييم. وكلنا نعرف كيف انتهى الأمر.

* عضو سابق في فريق الخبراء رفيع المستوى التابع للمفوضية الأوروبية المعني بالتمويل المستدام.

المدير التنفيذي لمبادرة «م ركز 2 °» للاستثمار.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات