قياس النمو وديمقراطية البيانات

صورة

يُعد أبهيجيت بانيرجي وإستير دوفلو الحاصلان على جائزة نوبل التذكارية في العلوم الاقتصادية هذا العام، الأحدث بين كبار الاقتصاديين، اللذان قاما بتذكيرنا بأن الناتج المحلي الإجمالي هو مقياس ضعيف لرفاهية الإنسان.

يجمع مؤشر التنمية البشرية، الذي نشره برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، مؤشرات متوسط العمر المتوقع والتعليم ودخل الفرد، وقد ظل متاحاً منذ فترة طويلة بديلاً لدخل الفرد وحده.

في عام 2008، أوضح جوزيف إ. ستيجليتز وأمارتيا سين وجان بول فيتوسي العديد من الإخفاقات في إجمالي الناتج المحلي للجنة التي ترعاها الحكومة الفرنسية لقياس الأداء الاقتصادي والتقدم الاجتماعي.

لقي العمل اللاحق برعاية منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، والذي تناول بالتفصيل النتائج التي توصلوا إليها، والأبحاث ذات الصلة التي أجرتها كارول غراهام من معهد بروكينغز (حول الرفاهية الشخصية) وماثيو أدلر من جامعة ديوك (حول قياس الرفاهية الاجتماعية)، إشادة مُستحقة.

ومع ذلك، يُواصل الناتج المحلي الإجمالي السيطرة على قاعات السلطة. ينتظر صناع السياسة في جميع أنحاء العالم باستمرار أحدث البيانات الفصلية حول نمو الناتج المحلي الإجمالي، وتُعتبر الاختلافات في عُشر نقطة مئوية مؤشراً هاماً على أداء الاقتصاد الكلي.

قد يتضمن تقرير التوقعات الاقتصادية العالمية لصندوق النقد الدولي تحليلاً تفصيلياً لمجموعة واسعة من الموضوعات، لكنه يبدأ دائماً بالناتج المحلي الإجمالي.

يُشكل التعامل مع نمو الناتج المحلي الإجمالي أداة لقياس التقدم حتى في ما يتعلق بالدخل وحده مشكلة كبيرة، لمعرفة السبب ينبغي النظر إلى حالة دولة بها عشرة مواطنين وناتج محلي إجمالي يبلغ 190 دولاراً، حيث يبدأ تسعة مواطنين بمبلغ 10 دولارات لكل مواطن، ويبدأ المواطن العاشر بمبلغ 100 دولار.

(علاوة على ذلك، افترض أن إجمالي الناتج المحلي يساوي الدخل القومي، بحيث يكون صافي دخل العامل من الخارج صفراً).

اليوم، تخيل أن أول تسعة مواطنين لا يواجهون أي نمو في الدخل في سنة معينة، بينما يتمتع العاشر بزيادة 10%. سيعرف الناتج المحلي الإجمالي ارتفاعاً من 190 دولاراً إلى 200 دولار، ما يعني معدل نمو سنوي يبلغ حوالي 5.26 %.

وينعكس هذا بالطريقة المعتادة التي يتم بها حساب الدخل القومي، ويتم احتساب وزن الأفراد حسب حصتهم من إجمالي الدخل، ويُمثل معدل 5.26% متوسطاً مُرجحاً يصل فيه نمو دخل المواطن العاشر إلى تسعة أضعاف معدل نمو كل مواطن من المواطنين التسعة الآخرين.

قارن هذا المثال بمثال حيث تستخدم الدولة نفسها معدل النمو «الديمقراطي» مقياساً تزن كل فرد بالتساوي كنسبة من السكان وليس كحصة من إجمالي الدخل. هنا، يعكس معدل النمو المجموع المُرجٌح لتسع معدلات نمو بنسبة 0% ومعدل نمو بنسبة 10%، يتم قياس كل منها على واحد من عشرة أشخاص، مع معدل نمو إجمالي ناتج قدره 1%.

لا ينظر الجمهور بشكل عام إلى قيمة وزن الأفراد حسب حصتهم من الدخل. يجدر الإشارة إلى أن هذه الممارسة ضمنية، لأنها تتضمن مبدأ دولار واحد، وصوت واحد، بدلاً من شخص واحد، وصوت واحد. إنها ضرورية لتقييم الحجم الكلي للسوق أو «القوة» الاقتصادية لأي بلد، ولكنها لا تجسد الأداء الاقتصادي لمواطنيها.

هذا ليس السبب الوحيد وراء كون الناتج المحلي الإجمالي مقياساً غير مناسب لرفاهية الإنسان، كما أنه يتجاهل حاجة الناس إلى الاحترام والكرامة والحرية والصحة وسيادة القانون والمجتمع والبيئة النظيفة. رغم نجاح هذه «المقاييس» الديمقراطية الأخرى، فإن الناتج المحلي الإجمالي سوف يفشل كمقياس للتقدم، من حيث الدخل وحده.

بناء على عمل الاقتصاديين توماس بيكيتي وإيمانويل سايز وغابرييل زوكمان، اقترح مركز النمو العادل «ناتج محلي إجمالي 2.0»، وهو مقياس من شأنه أن يكمل تقارير إجمالي الناتج المحلي الحالية من خلال تصنيف نمو الدخل لمختلف شرائح السكان (مثل أخماس الدخل).

سيتطلب توفير هذا النوع من الصور التوزيعية بانتظام مزيد من التنسيق بين الدوائر الحكومية، وكذلك بعض الاتفاقيات، مثلاً: حول كيفية استخدام البيانات الضريبية لاستكمال الحسابات القومية المُعتادة، لكن هناك حاجة أيضاً إلى اتفاقيات لحساب الدخل القومي الحالي.

يمكن للمرء حساب معدل نمو على أساس المتوسط المرجح لكل عشر أشخاص من توزيع الدخل، شريطة أن تكون بيانات التوزيع متاحة بشكل روتيني مع ترجيح متساوٍ للسكان، كما في المثال السابق. لا يزال يتم وزن الأفراد حسب دخلهم داخل كل مجموعة (ولهذا من الأفضل استخدام الأعشار بدلاً من الأخماس)، ولكن المنتج النهائي سيكون أقرب بكثير من الأساليب الحالية إلى المُثل «الديمقراطية».

تتمثل إحدى المزايا الرئيسية لنمو الناتج المحلي الإجمالي في أنه يتم التعبير عنه برقم واحد، في حين يتم تقديم مؤشرات الأداء الأخرى داخل لوحات المعلومات التي تشتمل على مقاييس متعددة أو يتم تجميعها بطرق تعسفية بشكل أساسي. يُعد الاستخدام الضمني لأسهم الدخل كأوزان مجمعة مناسباً تماماً لتحليل الاقتصاد الكلي لكن ليس تعسفياً.

تنشأ المشكلة عندما يصبح الناتج المحلي الإجمالي أداة للتقدم. ما يمكننا قياسه بسهولة يحدد حتماً ما سوف نركز عليه كسياسة عامة. كما أوضح تقرير ستيغليتز وسين وفيتوسي، «ما نقيسه يؤثر على ما نفعله».

إن نشر مقياس ديمقراطي مثل معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي 2.0 ليس صعب المنال. إن معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي باستخدام أوزان متساوية لكل عشرة من السكان سوف ينتج أيضاً رقماً واحداً لاستكمال معدل النمو المعتاد، صحيح أنه لا يزال لا يُعبر عن الاختلافات الرئيسية داخل الفئة العشرية العليا في العديد من البلدان، حيث تم الحصول على أعلى نسبة 1% بشكل غير متناسب مقارنة بأي شخص آخر.

وما زلنا بحاجة إلى مقاييس أخرى لقياس الأداء بأبعاد أخرى غير الدخل، ولكن كعدد واحد تم نشره جنباً إلى جنب مع نمو الناتج المحلي الإجمالي، يمكن أن يقطع شوطاً طويلاً نحو تغيير الحوار المهيمن حول الأداء الاقتصادي.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات