الهند.. ممارسات ومبادرات تعزز دعائم الوحدة الوطنية

صورة

بعد ثماني سنوات من المداولات، أصدرت المحكمة العليا في الهند حُكمًا بحل واحدة من أكثر النزاعات التي طال أمدها بين الأديان في تاريخ البلاد المضطرب، جاء قرار المحكمة في الوقت المناسب.

يتعلق الحكم بموقع متنازع عليه في منطقة أيوديا بولاية أُتار براديش الأكثر اكتظاظًا بالسكان في الهند. كسبت أيوديا سمعة دولية سيئة في عام 1992، بعد قيام مجموعة هندوسية متطرفة بهدم مسجد بابري، الذي احتل مكانًا بارزًا في مدينة مليئة بالمعابد.

تم بناء المسجد في العشرينات من القرن الخامس عشر باسم أول إمبراطور مغولي في الهند «بابُر» على يد أحد النبلاء المسلمين، مير باقي، في موقع يزعم الهندوس أنه مسقط رأس الإله «رام»، بطل ملحمة رامايانا التي يعود عمرها لثلاثة آلاف سنة. تعهد المتعصبون الهندوس الذين دمروا المسجد ببناء معبد الإله رام على أنقاض المسجد والانتقام لنصف الألفية من الإذلال.

الهند هي أرض يتداخل فيها التاريخ والأسطورة، في بعض الأحيان لا يستطيع الهنود إدراك الفرق. يدعي الكثير من الهندوس أن مسجد بابري يقع في المكان المحدد لميلاد رام، وقد قام بابُر ببناء المسجد في ذلك المكان لتذكير الناس المحتلين بإخضاعهم.

لكن العديد من المؤرخين يجادلون بأنه لا يوجد دليل على أن بابُر هدم معبد رام لبناء مسجده. لقد قالوا إن تدمير المسجد واستبداله بمعبد لن يصحح خطأ قديمًا، بل سوف يتسبب في ارتكاب خطأ جديد.

ومع ذلك، أكدت هيئة المسح الأثري للهند وجود آثار معبد قديم تحت مسجد بابري الذي هدمه الهندوس قبل 27 عامًا - على الرغم من أنه لا يمكن لأحد أن يؤكد أنه معبد رام. ظل النزاع مُستعصيًا على الحل، وطال الخلاف أمام القضاء.

يقترح الحكم الصادر عام 2010 عن محكمة الله أباد العليا تقسيم الممتلكات المتنازع عليها بثلاث طرق. استأنف جميع الخصوم أمام المحكمة العليا، حيث بدا أن الأمر قد تم حله أخيرًا.

وأمرت المحكمة العليا في قرارها بأن يعهد بالموقع المتنازع عليه لهيئة ستقوم ببناء وتشييد معبد رام، وبالتالي إرضاء الهندوس، مع مطالبة الدولة بمنح المسلمين أرضًا بديلة بمساحة هكتارين، لبناء مسجد جديد عليها، في منطقة أيوديا.

بالنسبة لمعظم المسلمين الهنود، لا يدور الخلاف حول مسجد مُعين. كان مسجد بابري غير مستغل إلى حد كبير منذ ما يقرب من نصف قرن قبل تدميره، لأن معظم مسلمي أيوديا هاجروا إلى باكستان عند تقسيم الهند في عام 1947. بدلاً من ذلك، كان الخلاف حول مكانهم في المجتمع الهندي.

على مدى عقود بعد الاستقلال، وفي ظل حزب المؤتمر الهندي الحاكم الذي ينتمي إلى يسار الوسط، ضمنت الحكومات الهندية أمن المسلمين في دولة علمانية، مما سمح بأن يتم «فصل قانون الأحوال الشخصية» الإسلامي عن القانون المدني للبلاد وحتى دعم الحج إلى مكة.

ثلاثة من رؤساء الهند كانوا مسلمين، وكذلك عدد لا يحصى من الوزراء والسفراء والجنرالات وقضاة المحكمة العليا، ناهيك عن قادة الكريكيت.

حتى منتصف التسعينات على الأقل، كان عدد السكان المسلمين في الهند أكبر من عدد سكان باكستان (حيث احتل معدل المواليد المرتفع المرتبة الأولى). كان تدمير المسجد بمثابة خيانة للميثاق الذي حافظ على الجالية المسلمة كجزء حيوي من الديمقراطية التعددية في الهند.

ومع ذلك، ينظر الهندوس الذين هاجموا المسجد إلى الدولة الهندية باعتبارها دولة ناعمة تدعم الأقليات باسم العلمانية الغربية الخاطئة. بالنسبة لهم، كان على الهند المستقلة، التي تم تحريرها بعد ما يقرب من 1000 عام من الحكم الأجنبي (للمسلمين، للبريطانيين) وتخلصت من جزء كبير من سكانها المسلمين بحكم التقسيم، كان عليها الالتزام بتأكيد هوية 80٪ من السكان الذين يصنفون على أنهم هندوس.

لقد حصلوا على الدعم من خلال «حزب هندوتفا» التابع لحزب بهاراتيا جاناتا بزعامة رئيس الوزراء ناريندرا مودي، الذي فاز بأغلبية ساحقة في انتخابات عامة متتالية.

والواقع أن هؤلاء المتعصبين ليسوا أصوليين بأي معنى صحيح للمصطلح، وذلك لأن الهندوسية دين بلا أساسيات: فلا يوجد بابا هندوسي، ولا يوم عبادة هندوسي، ولا كتاب هندوسي مقدس واحد، ولا يوجد ما قد نطلق عليه بدعة أو هرطقة في الهندوسية.

إن «الأصوليين» الهندوس هم، بدلاً من ذلك، شوفينيون، لا يقومون بترسيخ هندوسيتهم في أي من أسسها الفلسفية، ولكن في دورها كمصدر للهوية. إنهم يسعون للانتقام باسم الهندوسية باعتبارها راية سياسية، بدلاً من الهندوسية كعقيدة روحية.

إن ما فعلته المحكمة العليا يتلخص في صياغة الحل الذي ما كان لأي عملية سياسية التوصل إليه بشكل مستقل، ولكنه الحل الذي يبعد النزاع عن الشوارع. ولولا ذلك لساهم العنف في توليد رهن جديد للتاريخ وفي تعليم الأجيال المقبلة تصحيح التاريخ بأخطاء الجديدة.

في الوقت الذي تعرض فيه النسيج الاجتماعي في الهند لضغط غير مسبوق، استقبل الهنود حكم المحكمة العليا بترحيب كبير، وكانت هناك مناشدات واسعة النطاق عبر الخطوط السياسية لاحترام الحكم، على أمل أن يتم وضع حد لهذه القضية المثيرة للجدل.

ولذلك، ينبغي اعتبار حكم المحكمة بمثابة بداية لعملية انتعاش وطنية. إن حقيقة أن هذا النزاع الطويل قد تم حله بقرار قضائي، وليس بشغب جماعي، تُذكر العالم بأن الهند الديمقراطية يمكنها التغلب على أهم الصعوبات التي تواجهها عن طريق الاعتماد على سيادة القانون وروح الوحدة التي تشجع نضال الأمة من أجل الحرية.

يمثل قرار المحكمة أيضًا فرصة للهند للعودة إلى أفضل المُثُل التي دافعت عنها - الديمقراطية والتعددية والتعايش السلمي والفعال. إذا حدث هذا الأمر، يمكن للهند أن تتجاوز مشاكل القرن السادس عشر وأن تتصدى بحزم لتحديات القرن الحادي والعشرين.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات