موظفو الهيئات الدولية والحفاظ على الحيادية

تعود فكرة إنشاء خدمة مدنية «دولية» إلى قرن مضى، وتحديداً مع تأسيس عصبة الأمم عقب الحرب العالمية الأولى، فبينما دأب موظفو الخدمة المدنية حتى ذلك الوقت على خدمة بلادهم وإمبراطورياتهم، كانت الأمانة العامة الصغيرة لعصبة الأمم تقوم بتسهيل التعاون بين الدول الأعضاء.

وقد أعطى تأسيس الأمم المتحدة عقب الحرب العالمية الثانية دفعة جديدة وأقوى بكثير لفكرة وتجربة الخدمة المدنية الدولية. واليوم، مع حتمية بذل جهود دولية لمعالجة قضايا كتغير المناخ وانتشار التكنولوجيات الرقمية الجديدة، أضحى العالم بحاجة إلى موظفين دوليين على قدر عال من الكفاءة أكثر من أي وقت مضى.

هذا المفهوم منصوص عليه في المادة رقم 100 من ميثاق الأمم المتحدة التي تقول «ليس للأمين العام ولا للموظفين أن يطلبوا أو أن يتلقوا في تأدية واجبهم تعليمات من أية حكومة أو من أية سلطة خارجة عن الهيئة»، وتضيف أيضاً «عليهم أن يمتنعوا عن القيام بأي عمل قد يسيء إلى مراكزهم بوصفهم موظفين دوليين مسؤولين أمام الهيئة وحدها».

ما هي إذاً الجهات التي يفترض أن يخدمها الموظفون الدوليون، إن لم تكن حكومات الدول؟ رغم اختصاص حكومات الدول بتحديد بعثات المؤسسات متعددة الأطراف.

فإن موظفي الهيئات الملتزمة بميثاق الأمم المتحدةــ بما فيها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ــ يعتبرون رسمياً موظفين دوليين، فهم يخدمون شعوب العالم من خلال الهيئات التي يتبعونها، ويسافرون بجوازات سفر الأمم المتحدة «الدولية»، وليس بجوازات بلدانهم.

يسهم الوضع الخاص الذي يتمتع به هؤلاء الموظفون في توسيع مدى الإدارة الحكومية العالمية لأبعاد تتجاوز التعاون بين الدول القومية، وإن كان لا يعكس محاولة مثالية لتأسيس حكومة عالمية، بل تعمل الهيئات الدولية وموظفوها على تقوية العمل الجماعي العالمي بتعزيز «الصالح العام»، وليس أي مصالح خاصة أو عامة معينة.

كما يوضح بروس جنكس، المستشار رفيع المستوى في مؤسسة داج همرشولد والمساعد السابق للأمين العام للأمم المتحدة ببرنامج الأمم المتحدة الإنمائي.

لقد علمتنا نظرية الألعاب أن الدول القومية الفردية، مع سعيها المنطقي وراء مصالحها الخاصة، قد ينتهي بها الأمر إلى وضع غير مثالي للجميع. في المقابل، يرى تود ساندلر في كتابه العمل الجماعي العالمي، الصادر عام 2004، أن الهيئات الدولية «المحايدة» بوسعها تقديم إطار عمل مؤسسي يسهم في إفراز نتائج مفيدة لكل الأطراف، غير أن الحفاظ على الحيادية ليس سهلاً من الناحية العملية.

حيث تحرص الحكومات على دعم مواطنيها الموجودين داخل هيئات دولية، ومحاولة التأثير عليهم يشتى الطرق، حتى صارت الجنسية عاملاً حاسماً في التعيينات بالمناصب الدولية العليا. فحينما كنت مديراً لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، كان عليّ التعامل مع «طلبات» لا تتوقف من ممثلي الحكومات.

وعادة ما كانت تلك الطلبات تصاغ بطريقة مقبولة، بأن يُطلب مني «النظر في» قضية بعينها، لكني كنت أتلقى أيضاً طلبات ــ غالبيتها من القوى الكبرى العالميةــ تتسم بأسلوب ينتهك بشكل صارخ المادة رقم 100 من ميثاق الأمم المتحدة، وكنت أضطر لقضاء وقت كبير في محاولة تحاشي التورط مع الحكومات في مثل تلك القضايا.

رغم ذلك، توحي محصلة تجربتي في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي والبنك الدولي بأن الموظفين والإدارة استطاعوا التصرف بالفعل وفقاً للمادة رقم 100، فالتجاوب مع مخاوف وأولويات الدول الأعضاء كان تصرفاً صحيحاً وعادياً، بخلاف تلقي الأوامر منهم.

وبالإضافة إلى الوساطة والمساعدة في صياغة تسويات سياسية، يستطيع الموظفون الدوليون إطلاق المبادرات ومناصرة القضايا الإنسانية. وقد كان الراحل كوفي أنان أحد رموز هذا المجال، حيث كان ينحدر من دولة صغيرة وهي غانا، وصنع تاريخه المهني في الأمم المتحدة.

وبالتالي لم يكن أنان بالتأكيد يحظى بدعم أي من القوى الدولية الكبرى، غير أنه استطاع كأمين عام أن يكوّن ويشكل سلطة معنوية عظيمة، فكان محط احترام وتبجيل من قادة المجتمع المدني حول العالم. وبمبادرة من أنان، أطلقت الأمم المتحدة الأهداف الإنمائية للألفية في مطلع القرن، لتعطي التعاون في مجال التنمية دفعة جديدة لا يزال تأثيرها سارياً في جدول أعمال 2030 للتنمية المستدامة الحالي.

يرى المنتقدون أن الهيئات الدولية لا ينبغي لها أن تمارس مثل هذا «الاستقلال»، باعتبار أن تلك الأجهزة تستمد كل شرعيتها من الإدارة الحكومية الدولية وموافقة الدول الأعضاء.

كما تظل الدول القومية هي التي تشكل الوحدات التأسيسية للنظام السياسي الدولي، ما يدعو لتعريف تعددية الأطراف، أو حتى الإدارة الحكومية الدولية، على أنها ببساطة عملية التعاون بين تلك الدول، لكن مثل هذا الرأي ضيق الأفق للغاية.

تقدم مشكلة حماية المناخ مثالاً جيداً لمخاطر كامنة. في هذا الخصوص، نجد أن منظومة الأمم المتحدة، بما في ذلك البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، تتعاون مع المجتمع الدولي لزيادة الوعي العالمي بمدى وحجم التهديد، وتجري تحليلات متخصصة محايدة لتكاليف وفوائد مسارات العمل البديلة أو تدعمها، فضلاً عن ذلك، نجد أن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش وسلفاه بان كي مون وأنان قد أدوا أدواراً رائدة في قيادة حملات تنادي بحماية المناخ.

أسهمت كل تلك الجهود في إيجاد حيز سياسي جعل المفاوضات المتعلقة بالمناخ بين حكومات الدول أيسر إلى حد ما، فليس من شأن الموظفين الدوليين محاولة تحديد سياسات قومية معينة، أو تقرير الكيفية التي ستشارك بها الحكومات في تحمل عبء مكافحة الاحتباس الحراري، وإنما يكمن دورهم في الدعوة بشكل عام إلى اتخاذ تدابير قائمة على العلم تستطيع معالجة التحدي، والمساعدة في تنفيذ هذه التدابير بعد استقرار الدول الأعضاء على التفاصيل.

قبل ثلاثين عاماً، بدا سقوط حائط برلين داعماً لأمل السلام والتعاون الدائمين، ورسخ ذلك الأمل بروز تعددية أطراف جديدة ذات طابع عالمي كامل.

وها نحن اليوم ما زلنا بعيدين عن إدراك تلك الرؤية المتفائلة، وإن ظل التعاون بين الدول القومية العنصر الأهم في الإدارة الحكومية الدولية، لكن في ظل عصر من الفرص والتهديدات غير المسبوقة التي تتخطى الحدود السياسية، تمثل الهيئات والموظفون الذين يخدمون العالم ككل مصدراً لا غنى عنه لدعم العمل الجماعي المطلوب.

* مدير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي سابقاً، وهو حالياً زميل رفيع المستوى في مؤسسة بروكنجز.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات