التجارة في أفريقيا وشروط تنميتها

اشميتا بارشوتام

مع استمرار الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين، وتخلف العمل المناخي عن الواقع المناخي، ومواجهة هيئة الاستئناف التابعة لمنظمة التجارة العالمية خطر التوقف عن العمل، فإن موضوع المنتدى العام لمنظمة التجارة العالمية هذا الأسبوع - «التجارة في المستقبل: التكيف مع عالم مُتغير» - لا يمكن أن يكون أكثر ملاءمة، لكن إذا كان يجب تكييف النظام التجاري العالمي مع حقائق القرن الحادي والعشرين، فيجب إيلاء اهتمام أكبر لاحتياجات البلدان النامية.

يجب أخذ أفريقيا بعين الاعتبار، حيث بُذلت جهودٌ كبيرة لتعميق التجارة والتكامل داخل القارات في السنوات الأخيرة. في حين تُعزز هذه الجهود النمو والتقدم، ولا سيما في منطقة التجارة الحرة للقارة الأفريقية (AfCFTA)، فإن تأثيرها يعتمد على كل من الإصلاحات العالمية التكميلية والتزام الدول باتفاقيات منظمة التجارة العالمية، لكن النجاح في تحقيق ذلك ليس مضموناً.

تُعد اتفاقية تيسير التجارة، التي دخلت حيز التنفيذ في عام 2017، أكبر مثال على ذلك، كونها واحدة من أهم اتفاقيات منظمة التجارة العالمية التي تمت المصادقة عليها في السنوات الأخيرة. جعلت اتفاقية تيسير التجارة طموحات الدول النامية أولوية قصوى، فهي تهدف إلى تسريع الحركة والتخليص والإفراج عن البضائع عبر الحدود الوطنية، وتضع تدابير للتعاون الفعّال بين الجمارك والسلطات المعنية الأخرى، وتُوفر المساعدة التقنية وبناء القدرات.

وفقاً لاتفاقية تيسير التجارة، يعتمد التيسير على ثلاث ركائز أساسية: التبسيط والتنسيق والشفافية. ونظراً لاعتمادها في جميع أنحاء العالم، فإن لديها القدرة على ضمان تنفيذ «الإصلاحات التي تعكس شروط التيسير» في مختلف البلدان، بما في ذلك بلدان الحكومات التي قد تحول دون تنفيذها.

بالنسبة للبلدان الأفريقية التي تمكنت من تنفيذ اتفاقية تيسير التجارة بالكامل، فقد تتمكن من تحقيق مكاسب هائلة. وفقاً لدراسة أجرتها منظمة التجارة العالمية في عام 2015، يمكن أن تؤدي اتفاقية تيسير التجارة إلى زيادة بنسبة 35% في الصادرات من البلدان الأفريقية الأقل نمواً، وزيادة بنسبة 3.5% في النمو الاقتصادي عبر الاقتصادات النامية، وتحسن بنسبة 20% في تنويع الصادرات.

ومع ذلك، بالنسبة للعديد من البلدان الأفريقية، سيتطلب تنفيذ إصلاحات تيسير التجارة التغلب على التحديات المتزامنة، مثل قيود العرض، والنمو الاقتصادي البطيء، والضوابط الجمركية غير الفعّالة، وسوء التنسيق على الحدود، وبذلك فإن اتفاقية التجارة الحرة للقارة الأفريقية، التي تواجه تحديات البنية التحتية الصعبة والبسيطة التي تعرقل إصلاحات تيسير التجارة في القارة، تُكمل اتفاقية تيسير التجارة، لكن نظراً لعدم تنفيذ اتفاقية التجارة الحرة للقارة الأفريقية حتى الآن، فإن مساهمتها تظل نظرية.

لتمكين البلدان النامية من متابعة الإصلاحات التكميلية، تتيح لها اتفاقية تيسير التجارة فترات تنفيذ أطول، وفقاً لاحتياجاتها وأولوياتها الفردية. في الوقت نفسه، تُوفر نوعاً من «آلية التوفيق» للمانحين لتقديم المساعدة الفنية والمالية.

ولكن لكي تنجح هذه الشراكات، يجب على البلدان المستفيدة تحديد أولوياتها، والعوائق المحتملة أمام التقدم، والتدخلات اللازمة للتغلب عليها. يجب عليهم بعد ذلك توصيل استنتاجاتهم بوضوح إلى الجهات المانحة التي تتوافق معهم.

تُبين دراسة حديثة أجراها معهد جنوب أفريقيا للشؤون الدولية (SAIIA) كيفية القيام بذلك، من خلال دراسة حالة زامبيا غير الساحلية ذات الدخل المنخفض. من بين النتائج الرئيسية التي توصلت إليها الدراسة أن زامبيا يجب أن تتحول «من منطقة غير ساحلية إلى منطقة منفتحة» من خلال إنشاء شبكات نقل إقليمية فعالة وبناء علاقات وثيقة مع الجيران، من أجل ضمان حسن إدارة الجمارك ومراقبة الحدود والوصول إلى الموانئ. تُعد كل من البنية التحتية المادية وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات ضرورية للغاية.

على الرغم من قيام زامبيا بمشاركة مراكز الحدود مع جيرانها، فإن علاقات العمل هذه لا تخلو من التحديات، وتتطلب إجراء توازن بين الأهداف الإقليمية المشتركة والأولويات الوطنية. من شأن عمليات الدخول من معبر حدودي واحد مشترك أن تخفض الوقت الذي يتم قضاؤه على الحدود، وتخفض تكاليف النقل والإمداد، وتعزز التعاون، وتمكّن من دمج المعلومات وإدارة المخاطر. لتحقيق ذلك وتنفيذ إصلاحات تيسير التجارة، يجب إشراك القطاع الخاص في عملية صنع القرار.

تؤكد دراسة معهد جنوب أفريقيا للشؤون الدولية أيضاً حاجة زامبيا إلى تضمين أولويات إصلاح تيسير التجارة في جداول أعمال مجموعة من الوكالات الحكومية، وبالتالي تحسين التنسيق. يجب أن تعي جميع هذه الوكالات الأولويات الوطنية، وكيفية توجيه الجهود نحو تحسين ظروف التجارة وتعميق التكامل الإقليمي، وبالتالي الإسهام في تحقيق أهداف إنمائية عالمية أوسع. يمكن لبرامج التدريب ودعم بناء القدرات التي يقدمها مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية والتحالف العالمي لتيسير التجارة دعم هذا الجهد من خلال المساعدة في تعيين مجموعة من الموظفين الحكوميين ذوي المعرفة والمهارات اللازمة لتنفيذ إصلاحات طويلة الأجل.

تعتبر اتفاقية تيسير التجارة، مثل أي اتفاقية لمنظمة التجارة العالمية، أداة قوية للتقدم، لكن لا يمكن أن تعمل في عزلة. تعتمد الإصلاحات التكميلية اللازمة التي تعالج تحديات معينة على المستوى الوطني على حسن سير النظام التجاري العالمي الأوسع. لهذا السبب، بدلاً من السماح لبعض الدول بإخراج هذا النظام عن مساره، يجب على الخبراء في المنتدى العام لمنظمة التجارة العالمية تقديم رؤية لنظام يراعي احتياجات جميع الدول الأعضاء، بدءاً بالدول النامية التي كثيراً ما يتم التخلي عنها.

* باحثة مشاركة في معهد جنوب أفريقيا للشؤون الدولية، وخبيرة سياسية في برنامج تطوير النظم الإيكولوجية الممول من قبل الاتحاد الأوروبي

opinion@albayan.ae

طباعة Email
تعليقات

تعليقات